الرؤية الفكرية

23-300x300-1
أولاً: الحداثة ومنهج التفكير العلمي
ثانياً: الدولة الوطنية الحديثة
ثالثاً: المجتمع المدني
رابعاً: نحو إعادة تأسيس المفاهيم السياسية الحديثة: الشعب والأمة والقومية
خامساً: العلمانية والعلاقة بين الدين والسياسة
سادساً: الديمقراطية
سابعاً: ثقافة حقوق الإنسان
ثامناً: الإثنيات والهوية الوطنية
تاسعاً: حرية المرأة
+أولاً: الحداثة ومنهج التفكير العلمي

1- الحداثة
دشنت الحداثة، التي اتضحت معالمها في عصر الأنوار الأوروبي، تغييراً جذرياً وشاملاً في حياة البشر وقناعاتهم وطرائق تفكيرهم، فهي لم تتناول تغيير نظام حكم ما أو إحداث انقلاب في السطح السياسي فحسب، بل كانت نهضة شاملة طالت جميع الفئات الاجتماعية، وغيرت جميع أوجه ومستويات النشاط الإنساني، الفلسفية والعلمية والأدبية والفنية، وكذلك القيم والأخلاق الإنسانية، وتزامنت مع نمو وتراكم الإنتاج المادي والثورة الصناعية، وتغيير أشكال الملكية والعلاقات الاقتصادية، ناقلة مركز الاهتمام البشري من التفكير بالحياة بعد الموت إلى التفكير بالعالم الواقعي الدنيوي، والبحث عن سعادة الإنسان المادية والروحية وتقدمه وترقيه، الإنسان، الذي أصبح المنطلق والغاية.
الحداثة الغربية، بكل ما تحمله من أفكار ومناهج وقيم وأدوات، إلى جانب ما أنتجته في السياق المادي والعلمي، كانت ثمرة للتطور التاريخي للبشرية، وقد ساهمت فيه جميع الحضارات والثقافات، ومنها الحضارة العربية الإسلامية. وأصبحت الحداثة الغربية ثقافة كونية ونمط حياة تخص جميع البشر والثقافات، فهي ليست خاصة بالغرب وحده بحكم طابعها الكوني والإنساني العام.
لقد برزت ملامح الحداثة بالتزامن مع صعود الرأسمالية، وبروز حركة التنوير الفكري والديني والاكتشافات العلمية والجغرافية، وغدت فتوحاتها الفلسفية والفكرية مكتسبات إنسانية عامة مع عولمة الرأسمالية للعالم، على الرغم من أن الغرب لا يزال ساحتها الفاعلة. وهذا كله لا ينفي بالتأكيد صحة النقد الموجه لنمط الإنتاج الرأسمالي والتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية، وضرورة العمل لا من أجل تحسينها فحسب، بل من أجل تمثلها وتجاوزها أيضاً، على الرغم من كونها ما تزال قادرة على تجديد نفسها. فالحركات الاشتراكية التي طمحت إلى استبدال النظام الرأسمالي بنظام أكثر عدالة كمقدمة لنظام تنتهي فيه الملكية الخاصة، وتضمحل فيه الدولة، لم تنجح في تجاوز النظام الرأسمالي على الرغم من أنها طرحت أسئلة جدية حوله، وسلطت الضوء على مثالبه وعيوبه، وأفسحت في المجال لتطويره وتخفيف آثاره السلبية.
تعني الحداثة التي ننشدها الانفتاح على المستقبل، والحركة الدائمة نحو آفاق جديدة في العمل والمعرفة، وبالتالي فإنها لن تكون تكراراً لنموذج مضى، أو نسخاً لنموذج غربي أو غيره من النماذج، بل ستكون استيعاباً لحداثة الغرب وتجاوزاً لها في آن معاً، فكل شعب يشترك مع الشعوب الأخرى في أساسيات معينة، وهذه هي عالمية وكونية الحداثة، لكنه بالمقابل يشق طريقه المميز وفقاً لمستوى تطور بناه الفكرية والثقافية والاقتصادية وشروطه التاريخية. ولعل أهم سمات الحداثة التي ننشدها هي تلك التي تهدف إلى أنسنة العلاقات بين البشر لمصلحة تعميم مفاهيم الحرية والمساواة، وتسخير التقدم العلمي- التكنولوجي ليكون في خدمة الإنسان بوصفه قيمة بحد ذاته.

2- الحداثة وأزمة الهوية
منذ بداية احتكاكنا بالغرب، تغلب الفكر الدفاعي على الفكر النقدي، ومنذ ذلك الوقت كانت نظرتنا إلى أنفسنا وإلى تاريخنا وإلى الآخر والعالم نظرة خاطئة تقوم على الحاجة الشديدة إلى تعويض الشعور بالنقص إزاء الغرب الذي فرض نفسه علينا بتفوقه وعلمه وثقافته. ولا يمكن إزاء ذلك أن نتوقع نهضة أو تغييراً من دون تجاوز هذا الموقف الدفاعي، والذهاب نحو التعامل النقدي مع الثقافة الغربية وإنجازاتها بلا عقد النقص التي ما زالت تتحكم بنا.
يضاعف من شعور النقص هذا، الهزيمة المستمرة، في الميادين كافة، السياسية والاقتصادية والعلمية، وحتى الثقافية والأخلاقية، أمام الغرب الذي يشعرنا في كل لحظة بهزيمتنا وخوائنا وانكشافنا. لذلك يسود، لدى جزء غير قليل من النخبة الثقافية والسياسية، خطاب هوية مرضي، أحادي ومغلق، قائم على رؤية متوجسة ووسواسية إزاء العالم، ترفض التفاعل الخلاق مع الثقافات الأخرى، ويكون المآل الانكماش على الذات القومية أو الدينية، أو تغليظ الحدود بيننا وبين الآخرين، أو إثارة الكراهية والخوف من جميع الأنظمة الثقافية والمجتمعية الأخرى.
خطاب الهوية الأحادي يعني ضمناً أن الهوية ساكنة وقطعية وثابتة، لا تتغير ولا تتطور، تكونت لمرة واحدة في الماضي، وما علينا سوى الدفاع عنها كما ولدت، أما الحاضر والمستقبل فلا وجود لهما، ولا أثر لهما على هذه الهوية. هذا الفهم لا يلتقي مع الثقافة الديمقراطية التي تنظر للهوية باعتبارها كائناً متجدداً على الدوام، وينبغي إعادة بنائها في كل لحظة، بدلالة حاجات الحاضر وآمال المستقبل. وبالتلازم مع خطاب الهوية الأحادي، وبدلالته، يشيع خطاب الخصوصية، ويكاد يكون هذا الخطاب لسان حال جميع القوى الكابحة للتقدم التي تريد إقناعنا أن إنساننا مختلف عن سائر البشر، وتجربتنا التاريخية فريدة ولا تشترك مع سائر تجارب أمم الأرض بعناصر عامة. واستناداً لذلك، يجري النظر للحداثة الغربية بوصفها نتاجاً لثقافة الغرب وتعبيراً عن هيمنته، ولا تناسب مجتمعاتنا وثقافتنا، وتحمل خطر إلغاء هويتنا وتحطيمها.
يقوم هذا الخطاب، صراحة أو ضمناً، على أساس أن الثقافات بنى ساكنة لا يطالها التغيير. هذا الافتراض باعتقادنا لا تاريخي، وينظر للثقافات كجزر معزولة وللهويات كحواجز ثابتة لا تتغير. الثقافات كائنات حية تنمو وتتطور وتؤثر وتتأثر، وتكتسب صفات وعناصر جديدة على الدوام، على الرغم من أنها تتمايز وتختلف فيما بينها. الخصوصية مبدأ صحيح، ويتوافق مع التعددية الثقافية، لكن لا يمكن فهمها بشكل إيجابي إلا بمنظار جدلي في علاقتها مع العالمية أو الكونية التي تقر بأن أي إنجاز ثقافي أو علمي، هو في المحصلة نتاج تاريخ طويل، وتفاعل خصيب بين ثقافات وحضارات العالم المختلفة. بالتالي فإن الخصوصية التي يجب الاحتفاء بها هي تلك المنفتحة على العالم والفكر والتجدد، لا الخصوصية الخائفة والمرتبكة والمنغلقة على نفسها.
الحداثة الغربية بكل ما تحمله من أفكار ومناهج وقيم وأدوات، إلى جانب ما أنتجته في السياق المادي والعلمي، أصبحت ثقافة كونية تخص جميع البشر والثقافات. لذا فهي ليست خاصة بالغرب وحده، إنما هي ذات طابع كوني وإنساني، والذين يرفضونها باعتبارها غربية ولا تناسب مجتمعاتنا عليهم ألا ينسوا أنهم أقبلوا بنهم على منتجاتها واختراعاتها، وعلى استيراد علمها ودراسته وتدريسه، بالتالي ليس من المنطقي قبول ثمار ومنتجات هذه الثقافة، ورفض مناهجها وقيمها ومبادئها في الفكر والفلسفة والسياسة والعلم. إن غياب التأسيس الفكري والأخلاقي للحداثة وتقليصها إلى مكتسب تكنولوجي محض، قد أفرغها من قيمها الإنسانية، وحولها إلى قشرة تستر ركامات من العفن والتقليد وأنماط الحياة الاستهلاكية.
من هنا يأتي هذا التشويش إزاء الكثير من المسائل والمقولات، كالمجتمع المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، التي لا تنفصل بالتأكيد عن قضية الحداثة ذاتها. فالنخب تتبنى هذه المقولات الحديثة، لكن بمعانٍ ومدلولات تقليدية، ولم تقترب بعد من هضم واستيعاب وتمثل هذه المقولات بمضمونها الحديث. من هنا يمكن القول إن هذه النخب، في الأساس والعمق، ترفض الحداثة ومبادئها وأفكارها وقيمها، وتهرب منها باتجاه مزاوجة التقنيات أو المفاهيم أو الأهداف الحديثة مع الموروث الثقافي التقليدي في مركب واحد عاجز عن السير خطوة واحدة إلى الأمام. فالأهداف الحديثة تقتضي منهجاً حديثاً يساعد على الوصول إلى “مطابقة التعبير للمعبر عنه في زمن التعبير”، أما أصحاب المناهج التقليدية القديمة، فعلى الرغم من حملات أصحابها البليغة على الاستعمار الفكري والغزو الثقافي، ودعوتهم المستمرة إلى الأصالة، فإنهم كانوا يصلون في المآل إلى التصالح مع الغرب الإمبريالي.
لقد قدمت نخبنا خلال قرن من الزمن ثلاثة تيارات فكرية سياسية كبرى عندما حاولت معالجة سؤال “إشكالية النهضة والنزوع إلى التقدم”. فهناك تيار الأصالة والتراث الذي ذهب نحو الماضي ينشد فيه الإجابات على أسئلة الحاضر، والتيار التغريبي الذي وجد في الغرب وتجربته كل الإجابات على أسئلة وإشكاليات واقعنا، وهناك التيار التلفيقي أو الانتقائي الذي حاول التوفيق بين الأصالة والمعاصرة.
في المآل، ومع بداية القرن الحادي والعشرين، وصلت هذه التيارات إلى طريق مسدودة تجلَّت بالحضور الفاضح للشيخ الظلامي والليبرالي الاقتصادي والمستبد القومي في الوعي والواقع، وشكلت جميعها منظومة واحدة قوامها الاستبداد والإقصاء والإرهاب ومعاداة الديمقراطية والحداثة وحقوق الأفراد.
كان لإقصاء الحداثة من حياتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية أثر بالغ في مسخ كل المفاهيم الحديثة وإفراغها من مضامينها، فالاشتراكية التي كانت مرتكز الخطاب القومي تحولت إلى تأخراكية نتيجة قطعها عن جذورها التنويرية، فآلت تلك “الاشتراكيات” إلى تعميم الجهل والفقر والاستبداد والتأخر بكافة صوره، وأنتجت الأرضية الأيديولوجية لنمو وصعود حركات التطرف الديني .كما أن عزل المسألة الديمقراطية عن امتدادها الحداثي، حولها إلى مجرد شعار سياسوي وأيديولوجيا تعبوية، فاختزلها إلى صندوق الاقتراع فحسب، أو إلى تسويات” توافقية” بين تشكيلات اجتماعية ما قبل وطنية.
لقد ظهر في الواقع والتاريخ أن كافة الحركات السياسية: الحركة القومية العربية، حركات الإسلام السياسي، الحركة الاشتراكية التي نسبت نفسها إلى الماركسية، مناهضة للدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، وليست سوى نسق لتوليد الاستبداد، ولعل السبب الجوهري يكمن في أنها جميعاً أدارت ظهرها للحداثة. لقد تجاهلت أن منجزات الحداثة غدت منجزات إنسانية عامة، بكل ما لها وما عليها، فلا يستقيم الأمر مع تبني التكنولوجيا والكفر بمن أسسوها في الفكر والسياسة والأخلاق.
باعتقادنا إن المشروع الذي يستحق أن يحدث الاستقطاب والفرز على أساسه هو قضية الحداثة، ليظهر بوضوح من مع نهضة بلادنا وتقدمها، ومن مع المحافظة على تأخرها وفواتها وتعفنها، وما لم تنتصر قضية الحداثة في فكرنا وسياساتنا، فلا خير يرتجى من أي فعل في دائرة السياسة أو الثقافة.

3- التأخر التاريخي
في الحقيقة لولا صدمة الحداثة التي أظهرت هشاشة البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما كان من الممكن إدراك عمق تأخرنا. وعلينا اليوم الاعتراف بواقعة التأخر على صعيد الإنتاج الاجتماعي، بالمعنى الشامل للكلمة، أي على مستوى إنتاج الثروة المادية والثروة الروحية على حد سواء، ولا سيما على صعيد الوعي والفكر، أي التأخر الأيديولوجي السياسي، بمعنى أن التأخر لم يعد تخلفاً في عملية الإنتاج، أو تخلفاً في الاقتصاد، بل هو تأخر في الذهنية أساساً.
ويتجلى هذا التأخر سياسياً في غياب دور الشعب وفي سيادة الروح الرعوية (من الرعية) وفي سيكولوجية عبد-سلطان، كما يتجلى أيديولوجياً، في سيطرة التقليد لدى السواد الأعظم من البشر، وهو تقليد مناف لروح العصر، ومجاف لمنطق التقدم. الأيديولوجية السائدة هي أيديولوجية تقليدية مفوَّتة، تعيش زمناً غير زمنها؛ وهي التي تحدد زاوية رؤية إنساننا للكون والتاريخ والطبيعة والمجتمع والدولة والإنسان، والمرأة بوجه خاص. فالإنسان معرَّف لديها بالإيمان والتقوى والطاعة والامتثال والتصديق والرضا والتسليم والقناعة، لا بالعمل والعقل والحرية والمعرفة والخلق والإبداع. الإنسان في نظرها ضعيف عاجز، وموضوع لفعل الطبيعة والقوى الخارقة الغيبية، وليس القادر على تغيير أشكال الطبيعة والمجتمع وعلى بناء التاريخ. هذه الإيديولوجية المفوَّتة مهجوسة بالماضي ولا تحترم العمل والإنتاج، ولا تقيم وزناً للوقت، ولا تدرك معنى مفاعيل الزمن.
لقد طبعت الأيديولوجيات الكبرى، القومية والاشتراكية والإسلامية، حياتنا الثقافية والسياسية والأخلاقية بطابعها ووسمتها بسماتها، وأبرزها التمامية والكمال واحتكار الحقيقة والاستبداد الديني والفكري والسياسي القائم على فكرة التجانس والنقاء، فضلاً عن انغلاقها وانقطاع علاقتها بالواقع. فهذه الأيديولوجيات على اختلافها لا ترى الواقع إلا بمنظارها الخاص، أي بمنظار وعيها الحصري والإقصائي، وفي ضوء أهدافها وغاياتها، وبدلالة مسبقاتها ومطلقاتها، وجميعها تنطلق من الهدف إلى الواقع، ومن الوعي الموروث غالباً إلى الوجود، ولا تعبأ بالمشكلات العيانية، وغالباً ما تستهين بها أو تضخمها، فلا تلتمس لها حلولاً ناجعة.
يمكن الحديث عن قاع أيديولوجي مشترك بين هذه الاتجاهات المتباينة أو المتصارعة أيديولوجياً، فهي تتمايز في قشرتها السطحية وفي شعاراتها فحسب، وتتفق فيما بينها في أمور كثيرة، لعل أهمها هو اتفاقها جميعاً على رفض الحداثة وتنكرها لها، وتغطي ذلك بخطاب تقليدي لا تاريخي مقيت حول “الهوية” و”الخصوصية”. لذلك، فمعظم القوى السياسية هي قوى أصولية في خطابها وممارساتها أياً تكن قشرتها الأيديولوجية، وهذا الوصف لا يقتصر على حركات الإسلام السياسي المتشدِّدة، بل هو تعبير واسع يضم جميع القوى والتيارات التي لا تقبل الآخر ولا تؤمن بالآليات الديمقراطية وتعتقد واهمة أنها تمتلك كل الحقيقة، لذلك ليس من الغريب أن نجد واقعياً قوى قومية أصولية أو شيوعية أصولية أو ليبرالية أو علمانية أصولية.
يشكل التأخر التاريخي أرضية مولدة للهزائم والكوارث باستمرار، والأمم المصابة بهذا الداء تكون لديها على الدوام “القابلية للاستعمار” على حد تعبير مالك بن نبي، ويكشف التأخر التاريخي عن الأسباب العميقة لإخفاق محاولات النهضة المختلفة و”الثورات” التي اجتاحت المنطقة خلال قرن من الزمن، والتي أدت موضوعياً إلى تصفية مشروع أو جنين الدولة–الأمة، والتقهقر إلى مرحلة ما قبل الدولة، أي الدولة العشيرة، الدولة الطائفة والدولة الطغمة.

4- المنهج العلمي في التفكير

أ- علاقة جدلية بين الفكر والواقع
تقوم الأيديولوجيات والأنساق المغلقة، على اختلاف تلاوينها، باشتقاق الواقع من الفكر، وتجعل منه وجوداً جوهرياً سامياً يتعالى على التاريخ وعلى سنن النمو والتطور، وهذا يعبر عن نفسه واضحاً في الخطاب السياسي الذي يتحدث مثلاً عن أمة عربية واحدة، أو عن أمة إسلامية، أو عن أممية بروليتارية، من دون أن يقيم أي حد مفهومي بين المجتمع والشعب والأمة والدولة، أو بين الدين والفكر والأخلاق والسياسة؛ ورافضاً الاعتراف بالواقع القائم أولاً، فينطلق من الهدف الذي هو الوحدة العربية أو الدولة الإسلامية أو المجتمع الاشتراكي إلى الواقع الذي يبدو هزيلاً ووضيعاً إذا ما قيس بسطوع الهدف وسموه.
إن جذور الاستبداد متأصلة في العقائد والأيديولوجيات المغلقة، وفي الوعي الأيديولوجي المنسوج حول نواها الصلبة، الوعي الذي ينبذ الحقائق الواقعية أو يحورها ويبترها أو يقلصها أو يمطها لكي يحافظ على تلك النوى أو ذلك النسيج المزعوم حقيقة خالصة وخالدة.
إن تحوّل الفكر إلى أيديولوجية ظاهرة شائعة ومتواترة، ولعل “السلطة” كانت ولا تزال العامل الأهم، وربما الحاسم، في عملية التحول هذه. الأيديولوجية هي تحول سلطة الفكر إلى فكر السلطة، وتحول سلطة الثقافة إلى ثقافة السلطة، وتحول سلطة الدين إلى دين السلطة.
الوعي الأيديولوجي والاستبداد السياسي صنوان يشتركان في معاداة الفكر الحر والازورار عن الحقيقة الواقعية، العقلية، ومعاديان للديمقراطية من المبدأ والمنطلق: الفكر متسامح يرى النفي في الإثبات والشك في اليقين والممكن في الواقع. الأيديولوجية تبعث على التعصب لأنها إثبات وتوكيد لا يقبلان النفي، أو نفي (طرد) لا يقبل الإثبات، ويقين لا يقبل الشك، وواقع أو وضع قائم ينفي الممكنات. الفكر حركة نمو وتغير، والعقيدة ثبات وسكون وتخشب وتحجر. الفكر يتساءل ويسائل ويبحث عن إجابات عدة للمسألة الواحدة، والعقيدة تجيب إجابة واحدة عن أسئلة مختلفة، الفكر جدلي والعقيدة دوغمائية مضادة لمنطق الواقع ومضادة لمنطق التاريخ.
إن عدم تمييز الفكر من الأيديولوجية وغلبة الوعي الأيديولوجي هما، على صعيد الوعي، سبب ما نتخبط فيه اليوم، ولعل الخلط بين الدين والمذهب وجعل المذهب ديناً، وبين الفكر والأيديولوجية وجعل الأخيرة فكراً، وبين التاريخ والتراث وجعل التراث تاريخاً، هو من أبرز سمات الانحطاط الفكري في واقعنا اليوم. فليس من العقلانية أن يظل الميت ممسكاً بتلابيب الحي والماضي يحجر على المستقبل. المستقبلية صفة أساسية من صفات الفكر؛ فالذين جددوا وأبدعوا في الماضي كانوا يتطلعون إلى المستقبل، في حين يتطلع السلفيون والتراثويون دوماً إلى الماضي، ويرون في السلف الصالح نماذج مكتملة بلغت الغاية والنهاية.
وهذا ما يجعلنا نميز، من البداية بين سياسة يضعها الفكر بصفته فكر الواقع، أي المتكون من قراءة الواقع بموجوداته واحتمالاته الممكنة، من قبل الذات الحرة القادرة على نقد مبادئ الفكر ومقولاته وإنتاج مفاهيم حديثة، وتحديث القديمة لتوافق تغير الواقع إلى ما لا نهاية، وبصفته سعياً دائماً في سبيل الحقيقة التي هي مطابقة الفكر لموضوعه وتوافق حركته واتساقها مع حركة الواقع ومنطق التاريخ، وبين سياسة تضعها العقيدة أو الأيديولوجية، بوصفها منظومة مغلقة ورؤية ذاتية، بل ذاتوية إلى العالم وتاريخه وإلى المجتمع والإنسان.

ج- الوعي المقارب للواقع
الوعي المقارب هو الوعي الذي ينطلق من الواقع، والمتوافق مع الأهداف والحاجات. هذا الوعي يتعارض مع النظرة الدوغمائية والأيديولوجية المغلقة التي تنظر إلى الواقع على أنه مؤلف من لونين أسود وأبيض، فيما هو يرى الواقع مؤلفاً من ألوان لا حصر لها. الوعي الأيديولوجي يرى أن الحقيقة مطلقة وثابتة، أما الوعي المقارب فيراها نسبية ومتغيرة. الوعي الأيديولوجي يقيم انفصالاً بين الباطن والظاهر، الوعي المقارب لا يرى مثل هذا الانفصال. الوعي الأيديولوجي يعتمد على الحدس والتقريب والعموميات والشعارات، أما الوعي المقارب فيعتمد على التحليل والتركيب والتحديد وعلى التفاصيل الدقيقة. الوعي الأيديولوجي ينطلق من الرغبة والشعور والمعتقد. أما الوعي المقارب فينطلق من الوقائع والمعطيات القائمة. الوعي الأيديولوجي تقريري، والواقع، في منظوره، معطى نهائي، والوعي المقارب يقوم على منهج تحليلي ويكتشف الواقع تدريجياً، مع تقدم المعرفة البشرية. يعني الوعي المقارب الإيمان بأن الوجود الاجتماعي المتعين في العالم وفي التاريخ هو أساس الوعي الاجتماعي، لا العكس، والواقع هو أساس الفكر، لا العكس. إن وحدة الفكر والواقع، ووحدة العمل والنظر هما أبرز مقومات الرؤية الواقعية الجدلية.

للوعي المقارب ثلاثة أبعاد مهمة هي: الكونية والحداثة والتاريخانية أو الفكر التاريخي، أي أن الوعي المقارب هو وعي كوني أولاً وتاريخي ثانياً وحديث ثالثاً. الكونية: مع الوحدة التناقضية التي فرضتها الرأسمالية على العالم، ومع تعقد مشكلات عالمنا المعاصر، أصبح الوعي المحلي أو الأقوامي وعياً قاصراً. فلا بدّ من وعي القسم المتقدم من العالم لأن إنجازاته ملك للبشرية كلها، وليست وقفاً على أبنائه فحسب. الحداثة: الوعي المقارب هو بالضرورة وعي حديث، يتعامل مع الحداثة التي أنجزها الغرب من دون نرجسية قومية أو عقد نقص، ويرى أن البشر جميعاً يشتركون في إمكانية التقدم، وفي قدرتهم على تحسين شروط حياتهم باستمرار. إن تبنى هذه الحداثة هو المقدمة اللازمة لتجاوز حالة الفوات التاريخي التي تفصلنا عن العالم المتقدم. التاريخانية: لواقعنا امتداد في المكان الذي هو العالم المعاصر، وامتداد في الزمان الذي هو التاريخ. يعني الوعي التاريخي إنتاج حالة تطابق بين الزمان والمكان، خاصة أننا زمنياً خارج تسلسل الزمن العالمي، أي نعيش في حالة “الفوات التاريخي” التي تشير إلى الشعوب التي ما تزال تعيش في مرحلة تخطتها شعوب أخرى، صاغت العصر وفرضت نفسها عليه. الوعي التاريخي هو وعي بالفوات والتأخر التاريخي وبحث في علله، أي أنه استدراك للزمن الضائع، لإنتاج وعي قادر على التطابق بين العيش في المكان (العالم المعاصر) والعيش في الزمان (الزمن المعاصر). الحضارة ظاهرة بشرية كونية مُوَحَّدَة الحلقات والأدوار التاريخية، تتطور باستمرار نحو الأفضل والأحسن، وقد تطورت من البسيط الساذج إلى المُركَّب المعقَّد في العصور التاريخية الأخيرة، ومن الفوضى والانعزال إلى الانتظام والاتصال. لذا فإن الرهان التاريخي معقود على استيعاب وهضم الفكر الحديث وتجاوز التأخر، عبر الارتقاء من الجزئية والحصرية إلى الكلية والعمومية، أي من وعي ديني ومذهبي ومللي وعشائري وجهوي وأقوامي إلى وعي وطني ديمقراطي مفتوح على أفق إنساني.
بهذه المعاني، فإن الوعي المقارب هو سيرورة معقدة وشاقة وجهد متواصل من التنقيب والتحليل والتركيب والنقد والشك وصولاً إلى المقاربة، مقاربة الوعي مع الواقع المتغيِّر باستمرار، لذا لا يمكن لعملية القبض على الواقع أن تكون تامة، بل هي عملية اقتراب دائمة من الواقع. وشرط المقاربة اكتشاف مسألة التنابذ بين الأيديولوجية والواقع. من دون الاحتكام الدائم إلى الواقع، ومحاكمة الأيديولوجية لتصويبها وتسديدها يفلت الواقع الموَّار، المتحرك والمعقد من ساحة الرؤية، وتصبح الرؤية الأيديولوجية آنذاك شكلاً من أشكال الفصام (الشيزوفرينيا)؛ لأنها تتعامل مع واقع موضوعي غير الواقع الذي تتصوره، وهذا يعني الانتقال من الوعي الامتثالي الذي هو جوهر الوعي الأيديولوجي إلى الوعي النقدي.

+ثانياً: الدولة الوطنية الحديثة

1- مقدمة
ليس ثمة ممارسة في الواقع إلا وثمة رؤية تقبع خلفها، تؤسس لها وتفسرها، فالبؤس الفادح الذي تتكشف عنه معظم الممارسات الراهنة ليس إلا مجرد تجلٍ لبؤس أكثر فداحة في الرؤية والثقافة السائدة. من هنا تأتي أهمية التأسيس لرؤية فكرية سياسية نابعة من حقائق العصر والواقع والحاجات والتحديات، أملاً في إنتاج أشكال متقدمة وحضارية من العمل والممارسة. ولعل أهم القضايا التي تحتاج إلى تأسيس معرفي جاد تلك المتعلقة بمفهوم الدولة الوطنية الحديثة والأمة والقومية والشعب والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والديمقراطية في مجتمعنا، فهذه المفاهيم والمقولات لا تزال ضبابية وملتبسة على الرغم من كونها متداولة ومعروفة. هذه المفاهيم عتبة أساسية لتأصيل ثقافة سياسية حقيقية، على أنه لا يمكن النظر إليها وكأنها دين جديد أو أيديولوجية جديدة، وإنما بوصفها مشروعاً غير منجز، وفي حالة تطور وتجديد مستمرين.
المفاهيم كليات اللغة، وليس لأي منها قيمة خاصة، إلا من وجهة نظر الذاتية التي قدست كلمات ودنست أخرى أو شيطنتها، وجعلت للكلمات المقدسة سحراً وسلطة يصعب الفكاك منهما، لذلك كان فكرنا مأخوذاً بسحر الكلمات وقدسية بعضها وشيطانية بعضها الآخر. لعل تحرير اللغة من بعديها: المقدس والسحري، ومما علق بها من أوشاب الأيديولوجية جراء محاولات السيطرة عليها شرط لازم لتحرير الفكر. فلجميع مفردات اللغة قيم معرفية ودلالية متساوية. وليس بوسعنا أن نحكم على هذا المفهوم أو ذاك إلا في نطاق النسق أو الخطاب الذي يندرج فيه، أي في نطاق شبكة العلاقات التي ينتظم فيها فيؤدي وظيفة خاصة لدى متكلم معيَّن، في شروط وملابسات معينة.
يتحدث كثيرون عن شعب سوري ومجتمع سوري ودولة سورية، وشعب مصري ومجتمع مصري ودولة مصرية مثلاً، ويؤثمون في الوقت ذاته أي حديث عن أمة سورية أو أمة مصرية. فكلمة “الأمة” التي تحيل على المجتمع والدولة، موقوفة في هذا الخطاب على الأمة العربية. الخطاب السياسي متناقض ومرتبك، في هذه الحيثية، وفي كثير غيرها. في اعتقادنا ليس هناك حرج في الحديث عن أمة سورية، بدلالة المجتمع المدني السوري والشعب السوري والدولة الوطنية السورية، أي بدلالة ما يمكن أن يكون في المدى المنظور، وليس بالمعنى الذي نجده عند أنطون سعادة، الذي هو نسخة معدلة عن الأمة العربية في الأيديولوجية القومية العربية.
إن مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة وسيادة الشعب وسيادة القانون، ومفاهيم الأمة والوطن والمجتمع المدني والشعب كلها تقع في حقل دلالي واحد، أو تنتمي إلى حقل دلالي واحد هو ذاته حقل الإنسانوية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهذه هي النقطة الرئيسة في مقاربتنا لجميع هذه المفاهيم.

2- نشوء الدولة الحديثة
أدَّت الدولة التسلطية في المشرق العربي إلى إنتاج علاقة تخارج بين الدولة والمجتمع، من خلال بناء دولة التنظيمات الاستبدادية، أي عبر توسيع مجال الدولة السياسي وتضييق المجال السياسي المجتمعي وتقليصه حتى يتطابق مع مجال الدولة/السلطة، وذلك بنزع السياسة من المجتمع وعسكرة مجال الدولة ذاته ومأسسة القمع وتعميقه بالاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة.
إن فكرة الدولة الوطنية الحديثة (دولة جميع المواطنين) وما يتصل بها ويقع في حقلها من مفاهيم ومقولات كانت غائبة عن الثقافة السياسية على مدى نصف قرن، تآكلت في خلاله الثقافة الوطنية مع تآكل الدولة، التي نشأت في العهد الليبرالي، أو ضمور طابعها الوطني العام.

يضاف إلى ذلك أنه ليس في لغتنا وثقافتنا التقليدية وتراثنا لا مفهوم الدولة ولا نظرية الدولة، ولم نعش تجربة الدولة، بل لدينا “سياسة سلطانية” و”أحكام سلطانية” و”آداب سلطانية”، هي كل عدتنا الثقافية والأخلاقية. إن كلمة (دولة) في اللغة العربية والثقافة العربية التقليدية والتراث العربي الإسلامي لا تدل على المعنى المتداول اليوم في الفكر الإنساني المعاصر لكلمة دولة etat أوstate وكذلك الكلمات المرادفة لها في الثقافة التقليدية والتراث، كالخلافة والإمارة والسلطنة والملك والحكم والأمر.
لم تشهد المجتمعات العربية قيام الدولة بالمعنى السياسي المعاصر. إنها تعيش حالة ما قبل الدولة، أو وضعية الدولة ما قبل السياسية أو حالة السلطنات والإمارات، وربما لذلك يفتقر قطاع واسع من النخبة إلى التمييز بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة. لذا فإن إعادة طرق موضوع الدولة من زاوية فكرية ليس أمراً للترف الثقافي، بل هو موضوع شديد اللصوق بمسألة التحول الديمقراطي، وبتشوهات الخطاب السياسي في تناوله للمسألة الوطنية.
يبدو تمييز الدولة من السلطة ضرورياً في موضوعنا، وفي أوضاعنا، على السواء. السلطة أقدم من الدولة وأوسع نطاقاً وأكثر تنوعاً، والتعبير عنها قديم في جميع اللغات والثقافات وفي تجارب مختلف الجماعات والتجمعات والمجتمعات والشعوب، أما مفهوم الدولة فهو مفهوم حديث، يمكن أن يؤرخ له ببدايات النهضة الحديثة في الغرب، وهو مرتبط بتاريخ المجتمع المدني. فقد نشأت الدولة السياسية الحديثة (أو الدولة الوطنية/القومية) في كنف الثورة البورجوازية التي قامت في أوربا كتتويج لسيرورة عصر النهضة والإصلاح والتنوير، وهي من أهم معالم الحداثة في مستواها السياسي، ولا يمكن فصلها عن التحولات التي طالت بنى المجتمع في مستويات الاقتصاد والإنتاج، كما في مستويات الثقافة والفكر والفلسفة.
لذا فالدولة أحد أهم معالم الحداثة، إذ لم يكن هناك دول قبلها بالمعنى الحديث للكلمة، أي دولة العقد الاجتماعي، بل أشكال من الحكم المطلق القائمة على منطق الغلبة والقهر، وعلى منطق العصبية بالمعنى “الخلدوني” .
ارتبط مفهوم الدولة الحديثة منذ نشوئه بمفهوم المجتمع المدني على الصعيد الاجتماعي، وبمفهوم الأمة على الصعيد الثقافي، وبمفهوم الشعب على الصعيد السياسي، وإنه لضرب من العبث نفي علاقة التسبب بين الدولة والأمة، ولكنه من العبث أيضاً وضعهما في علاقة كعلاقة الدجاجة والبيضة. وهناك ثلاث واقعات كونية، أفرزت صورة الدولة الحديثة، هي الثورة الصناعية، ونشوء نمط الإنتاج الرأسمالي، والثورة الديموقراطية، وبناءً على هذه التحولات، فإنّ أيّ جماعة أو أمة تضع نفسها خارج هذا المنجز الكوني، تحكم على نفسها بالبقاء على الهامش خارج دائرة التاريخ.
ويتفق الفلاسفة وعلماء الاجتماع السياسي على ما بات يسمى “نظرية العقد الاجتماعي” أساساً لنشوء المجتمع المدني والدولة القومية الحديثة. هنا تبرز ضرورة إبراز الأسس والمبادئ التي قامت عليها فكرة المجتمع المدني والدولة الوطنية/ القومية، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لاعتقادنا بأن هذه الأسس والمبادئ قابلة للبسط والإنماء، وقابلة للبناء عليها، بحكم طابعها العام، الكوني، إذا صح التعبير، وذلك لكي تكون هذه الأسس والمبادئ البسيطة أسساً ومبادئ لرؤية جديدة ذات بعد إنساني، كوني وتاريخي وديمقراطي.

3- مبادئ وأسس الدولة الوطنية الحديثة

أ- المبادئ والأسس
يحدِّد الحقوقيون الدولة، بل يعرفونها، بثلاثة عناصر موضوعية هي: السكان والأرض والسلطات العامة؛ وليس بوسع أحد أن يجادل أو يماري في موضوعية هذه العناصر، بل يمكن أن يجادل المرء في تحديدها واستكناه مدلولاتها أولاً، وفي كون الكل (الدولة) لا يتحدَّد بأي من أجزائه، ولا بأجزائه مجتمعة ثانياً. فإذا كانت عناصر الدولة الثلاثة، السكان والأرض والسلطات العامة، عناصر استاتيكية، ثابتة، فإن الدولة ليست كذلك؛ لأنها نتاج فاعلية مجتمع ينتج وجوده المادي، وينتجها، أي ينتج الدولة، شكلاً سياسياً لوجوده المادي، فالدولة هي شكل الوجود السياسي للمجتمع، أو هي التعبير القانوني/الحقوقي للأمة بمعناها الحديث الذي يحيل على المجتمع المدني.
تنتمي الدولة الوطنية الحديثة إلى نسق متكامل من المبادئ والمفاهيم تقوم بينها علاقات ضرورية، بحيث لا تقوم أي منها بغير الأخريات، كالمجتمع المدني، والديمقراطية، والإنسية، والمواطنة، وسيادة القانون وسيادة الشعب والشرعية الدستورية وفصل السلطات واستقلال القضاء وتداول السلطة سلماً .. إلخ. لا سبيل إلى التفكير في الحرية والفرد والفردانية والمواطنة إلا على اعتبار أنها قيم شديدة الاتصال بالدولة الوطنية الحديثة. ولا سبيل إلى الحديث عن الديمقراطية والدستور والمجتمع المدني والطبقات الاجتماعية إلا في اقترانها وجوداً أو غياباً بالدولة الوطنية الحديثة.
المبادئ الفكرية والسياسية والأخلاقية التي تتأسس عليها الدولة الوطنية الحديثة، انطلاقاً من هاتين الصفتين اللتين وصفت بهما الدولة، أي الوطنية والحداثة، ومن تلازمهما الضروري، هي: المبدأ الأول من هذه المبادئ المؤسِّسة هو المواطنة، بثلاثة أركانها: المساواة والحرية والمشاركة، وأبعادها: القانونية والثقافية والسياسية والأخلاقية. المواطنة مبدأ علماني، لأنها، مؤسسة على تساوي البشر في الكرامة الإنسانية، وتساوي مواطني الدولة المعنية في الحقوق المدنية والسياسية، وفي الكرامة الوطنية. أما المبدأ الثاني، فيتعلق بالسيادة، سيادة الدولة أو سيادة القانون، بصفته ماهية الدولة الحديثة وجوهرها، وهي سيادة مستمدة من الشعب. وأما المبدأ الثالث، فهو الشرعية. الشعب هو مصدر الشرعية في الدولة الحديثة، ومصدر جميع السلطات، بخلاف الشرعية المستمدة من “قانون إلهي” أو عقيدة دينية، أو فقه مذهبي، أو عقيدة (أيديولوجية) غير دينية، كالقومية والاشتراكية.
ليس للدولة بوصفها تجريد العمومية أي مضمون طبقي خاص أو جزئي، وإلا لكفت عن كونها دولة بالمعنى الحديث للكلمة. بيد أن الطابع الطبقي الذي ينسب للدولة هو طابع سلطتها السياسية فحسب، أي طابع ما يطلق عليه اسم الحكومة، وما من شك في أن هذه السلطة السياسية تطبع الدولة بطابعها إلى هذا الحد أو ذاك، بحسب ما تكون عليه علاقاتها مع بقية فئات المجتمع المعني، وحين تتماهى السلطة والدولة تضمر الدولة حتى تطابق حدود السلطة، ويغلب الخاص على العام والجزء على الكل، وذلكم هو مبدأ الاستبداد وعلته.
سلطة الدولة سلطة عامة من جانب، لأنها سلطة القانون، وخاصة من جانب آخر، لأنها سلطة الأكثرية السياسية التي تحظى بأكثرية أعضاء البرلمان وتؤلف الحكومة. بمعنى آخر للسلطة في الدولة الديمقراطية طابع مزدوج: عام وخاص، والانتخابات تتمخض في كل مرة عن أكثرية وأقلية سياسية، لذلك عرف بعضهم الديمقراطية بأنها حكم الأكثرية السياسية مع توفير الضمانات للأقلية.

ب- العقد الاجتماعي جوهر عمومية الدولة الحديثة
إن الاختلاف هو ما يفرض الحاجة إلى العقد الاجتماعي، أو ما يجعل العقد الاجتماعي ضرورياً، والتماثل في الإنسانية والتساوي في المواطنة هو ما يجعل العقد الاجتماعي ممكناً. ومن ثم؛ فإن جدل التماثل والاختلاف، الذي يحكم عملية بناء المجتمع المدني والدولة الوطنية، هو مضمون العقد الاجتماعي. فاختلاف الأفراد وتعارض مصالحهم هو ما يوجب العقد الاجتماعي. وما هو مشترك بينهم جميعاً، على اختلافهم، هو ما يجعل العقد ممكناً. بالتالي فإن العقد الاجتماعي في حقيقته هو التجريد القانوني والحقوقي لما هو مشترك بين جميع الأفراد وجميع القوى والفئات الاجتماعية، وهذا المشترك هو ماهية هؤلاء وجوهرهم.
الدستور تعبير قانوني لفكرة العقد الاجتماعي، وبالتالي تجسيد لإرادة الشعب؛ فـنص الدستور هو خلاصة لإثبات حقوق المواطنين ولطرق ممارسة السلطة بوساطتهم أو بوساطة ممثليهم. الدستور هو القانون الأسمى في تنظيم المجتمع الذي يحدّد أسس الدولة ومبادئها وحدودها.

ج- الدولة والدين
الدولة الوطنية الحديثة علمانية بطبيعتها ولا تحتاج إلى أيديولوجية علمانية، لأنها، أي الدولة، شخص معنوي، سياسي وقانوني وأخلاقي، فوق الطبقات والفئات، ومحايدة حياداً تاماً إزاء عقائد مواطنيها، بخلاف السلطة ذات الطبيعة المزدوجة.
مبدأ الدولة الوطنية هو العمومية التي تتجلى في الدستور والقانون العام، ومبدأ الدين هو الخصوصية. كل دين هو دين خاص، فضلاً عن كون كل مذهب مذهباً خاصاً. الدولة مجال عام، والدين، الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي، مجال خاص لجماعة بعينها. العام هو ما يحدِّد الخاص، لا العكس. هذا معناه ضرورةالارتقاء بالدولة إلى مؤسسة سياسية عامة فوق الأفراد، وفوق الطبقات، وفوق الأديان والمذاهب، وفوق الأيديولوجيات وفوق الرؤساء والملوك والقادة الملهمين.
العلمانية صفة لأفراد أو جماعات لا صفة للدولة، لأنها لا تحدِّد الدولة ولا تعيِّنها، العلمانية هي طبيعة الدولة، بما هي فضاء عام وحيادي، أما السلطة السياسية، أي الحكومة، فلها طبيعة مزدوجة، عامة، لأنها سلطة الدولة ومكلفة تنفيذ القوانين العامة، وخاصة، لأنها تمثل الحزب الذي يفوز في الانتخابات بأكثرية مقاعد البرلمان، ويشكل الحكومة وحده أو متحالفاً مع غيره.
إذا قام الإسلاميون بأسلمة الدولة بعد وصولهم للحكم، أي بإلغاء طابعها العام، كما قام البعثيون في سورية والعراق بتبعيث الدولة وتحويلها إلى مجال خاص، ستغدو “دولتهم” تناقضاً في ذاتها، وتنخفض إلى مجرد سلطة قهرية عارية، وسيفتحون أبواب الحرب الأهلية، كما حدث ويحدث في غير مكان.
هناك تناقض، بل تضاد بين الموصوف (الدولة) والصفة (الإسلامية)، فالدولة فضاء وطني عام مشترك بين المسلمين وغير المسلمين وبين العرب وغير العرب، والإسلام فضاء خاص بالمسلمين السنة أو الشيعة، حسب المتكلم، والخاص لا يحدِّد العام، بل ينحدُّ ويتحدَّد به. ليس هناك مشكلة في أن يؤلف إسلاميون حكومة في المستقبل، وفق مبدأ الانتخاب الحر وتداول السلطة سلماً، ولكن تكمن المشكلة في محاولات أسلمة الدولة، لأن هذه الأخيرة لا تختلف في شيء عن تبعيث الدولة (دولة البعث) الذي هو أساس كل المشاكل.
يسود في أوساط الإسلام السياسي مصطلح ضبابي هو “الدولة المدنية” الذي استخدمه الشيخ محمد عبده، والغريب أن غير الإسلاميين، أي غير المنضوين في جماعات الإسلام السياسي، يرددون هذا المصطلح الإسلامي عن قصد أو عن غير قصد للدلالة على الدولة التي يستقل فيها مجال السياسة عن مجال الدين، وهو ما يشير إما إلى الجهل أو المكر. فهو بذلك من الأضداد التي تدل على الشيء ونقيضه، أي يخفي تعبير الدولة المدنية تحت الاتفاق عليه خلافات مؤجلة ليست قليلة الشأن، رأينا مظاهرها في أماكن عدة.
لا نرى في شعار الدولة المدنية إلا التفافاً على مفهوم الدولة الوطنية الحديثة وتأجيل لمشاكل سنواجهها عاجلاً أم آجلاً، ولذا ينبغي استبداله بمفهوم الدولة الوطنية الحديثة المضبوط علمياً وفلسفياً والمحدد سياسياً وقانونياً وأخلاقياً، وتتفق البشرية المعاصرة على دلالاته الأساسية.

+ثالثاً: المجتمع المدني

1- نشوء مفهوم المجتمع المدني
المجتمع المدني، بما ينطوي عليه من دلالات ثقافية وسياسية اقتصادية واجتماعية وأخلاقية، ظاهرة أوربية المنشأ، رافقت بزوغ البرجوازية كطبقة صاعدة على أنقاض النظام الإقطاعي، ولا يمكن فصلها عن التحولات العميقة التي طالت بنى المجتمع في مستويات الاقتصاد والإنتاج، كما في مستويات الثقافة والفكر والفلسفة، وذلك منذ البواكير الأولى لعصر الأنوار وما قدمه من رؤية وتصور جديد للعالم والتاريخ والطبيعة.
خلال صيرورة النمو هذه، ومع نمو ظاهرة الإنسان/الفرد، تشكلت منظومة فكرية فلسفية سياسية واسعة ومتماسكة، تضم إلى جانب مفهوم المجتمع المدني: الإنسان، المواطن، الأمة، الشعب، العلمانية، العقلانية، الديمقراطية، المواطنة، الدولة الحديثة، الرأي العام، الانتخابات، الوطن، المشاركة السياسية، المساواة أمام القانون، الشرعية الدستورية…إلخ، ليصبح من الاستحالة النظرية والعملية التعامل مع أي من هذه المفاهيم دون الأخرى.
المجتمع المدني هو التجسيد العياني للأمة، ولنقل هو الواقع المادي الكثيف للأمة، والأمة هي تجريده المثالي، أو تعبيره الثقافي، أي التعبير النظري عن وحدته التناقضية؛ وفي التجريد المثالي والتعبير الثقافي كليهما تختفي أو تكاد تختفي الفروق والتعارضات الملازمة للكينونة الاجتماعية، أو للوجود الاجتماعي المباشر. المجتمع المدني هو مجتمع الشغل والإنتاج، وميدان التعاون والتآزر والتنافس والتنازع، والمصالح المتعارضة للطبقات أو الفئات الاجتماعية، وما ينجم عنها من علاقات وتنظيمات اجتماعية، والثقافة التي تعبر بها هذه الفئات عن نفسها والطرائق والأساليب التي تعبر بها، والقيم والمعايير التي تتبناها.

2- الدولة الوطنية والمجتمع المدني
ثمة تلازم منطقي وتاريخي بين الدولة الوطنية الحديثة والمجتمع المدني، فهما طرفان جدليان لا يقوم ولا يستقيم أي منهما إلا بالآخر. وبمعنى ثانٍ هناك اتصال وانفصال في آنٍ معاً بين الدولة والمجتمع المدني، فاستقلالية المجتمع المدني عن الدولة هي استقلالية نسبية وليست مطلقة وميكانيكية. الدولة السياسية، باعتبارها أهم معالم الحداثة في مستواها السياسي، هي شكل الوجود السياسي للمجتمع، أو هي التعبير القانوني / الحقوقي للأمة بمعناها الحديث الذي يحيل على المجتمع المدني. لذلك يرتبط المجتمع المدني بالمجتمع السياسي (الدولة) ارتباط المضمون بالشكل والحرية بالقانون، على اعتبار أن المجتمع المدني هو فضاء الحرية والدولة هي مملكة القانون. المجتمع المدني مشروط إذاً بالدولة الوطنية، تماماً كما الحرية مشروطة بالقانون، وبتعبير أوضح لا وجود للمجتمع المدني دون وجود دولة وطنية، إذ لا حرية دون سيادة القانون.
المجتمع المدني، سواء في حقل النظرية الفلسفية، أو في حقل التاريخ الاجتماعي الواقعي، يتضمن التعدد والاختلاف والتناقض والتنازع، وهو أيضاً ميدان الصراع الطبقي والمواجهات بين المصالح الاقتصادية المختلفة، في حين تتضمن الدولة الحق والوحدة والانسجام، لذلك كانت هذه الثنائية الجدلية (دولة وطنية – مجتمع مدني) حلاً موفقاً للجدل والتوتر الدائم بين النظام والحرية، أو بين القانون والتعددية.
من جهة ثانية المجتمع المدني هو مجتمع العمل والإنتاج الذي ينتج الطبقات والفئات الاجتماعية والمصالح المتعارضة، وما ينجم عن كل ذلك من علاقات وتنظيمات اجتماعية وعلاقات متبادلة وإنتاج ثقافي وقيم ومعايير مختلفة، وهو لكل ذلك ميدان التلاقي والتعاون والتنافس، أما الدولة فهي تمثل المصلحة العامة أو العمومية.
لذلك تصبح الوظيفة الأساسية للمجتمع المدني لَجْم الدولة حين تحاول الخروج عن مسار دولة القانون والمؤسسات ومواجهة محاولات سلطة ما لاحتلال كل الفضاءات في الدولة والمجتمع، والضغط عليها لإيجاد الحلول للتشوهات والانتهاكات التي قد تنجم في بعض الأحيان عن ممارساتها والمنطق التعسفي لها. في حين تصبح وظيفة الدولة الحفاظ على المصلحة العمومية وعلى طابعها العام المشترك وعلى صوغ العلاقات القانونية والمحافظة على بقاء جميع مؤسساتها مؤسسات وطنية عامة. فالدولة الوطنية هي التي تعبر عن الكل الاجتماعي، دولة الحق والقانون، التي يكون فيها القانون ذاته ضامناً أساسياً للحرية، وتغدو الحرية مضمون هذا القانون وغايته.

3- منظمات المجتمع المدني وعلاقتها بالدولة
إن جميع التعاريف الإجرائية لمنظمات المجتمع المدني لا تستنفد معاني ومدلولات وتعيينات المجتمع المدني. لذا من الضروري أن نميز بين مفهوم المجتمع المدني وشبكة الجمعيات غير الحكومية، فالمفهوم في دلالاته التاريخية والاقتصادية والسياسية وارتباطاته الفلسفية بالمفاهيم الأخرى، أوسع من أن يستنفد في شبكة من الجمعيات والمنظمات. لكن يمكن القول إجرائياً وعملياً إن المجتمع المدني هو جملة القنوات والمسارب والتنظيمات والجمعيات والمؤسسات التي يعبر فيها ومن خلالها المجتمع الحديث عن مصالحه وغاياته، وتتكون بشكل طوعي واختياري، وتعمل في استقلال نسبي عن الدولة بمؤسساتها وأجهزتها (الجيش، الشرطة، الأمن….)، ولذلك فهو يحتوي على الأيديولوجية بمكوناتها المتعددة (الفلسفات، الثقافة، الدين، الحس المشترك…)، وعلى الأشكال المختلفة من الروابط الحديثة (الأحزاب السياسية، النقابات والنوادي والاتحادات، الهيئات الثقافية، الحركات الاجتماعية، غرف التجارة والصناعة، التنظيمات الحرفية والمهنية، الجمعيات التعليمية والصحية، الجمعيات التي تعنى بشئون البيئة والمرأة والشباب والطفل وحقوق الإنسان…إلخ)، وهذه التنظيمات التطوعية تنشأ لتحقيق مصالح أعضائها أو لتقديم المساعدات والخدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، أو للدفاع عن المجتمع في مواجهة الطغيان والتغول المحتملين للدولة، وهي تلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف من خلال التفاوض والتحكيم والتراضي والمساومة والتصويت والانتخابات.
يمكن القول بالتالي إن أهم خصائص ومميزات تنظيمات المجتمع المدني هي:
1- الطوعية أو المشاركة الاختيارية الحرة، وهي تميزها عن مختلف التكوينات والروابط الاجتماعية المفروضة أو المتوارثة في المجتمع التقليدي أو المجتمع الديني (وليس المجتمع المتدين، ذلك أننا نجد مجتمعات مدنية سكانها متدينون)، وعن تلك المبنية على التراتبية والطاعة العمياء والانضباط الصارم في المجتمع العسكري (الجيش)، لذلك تكون العلاقات في المجتمع المدني أفقية، وليست رأسية أو عمودية مثل العلاقة بين شيخ العشيرة وأتباعه، أو بين الأجير والمؤجر، أو بين الضابط والعسكري، أو بين رجل الدين ومريديه، أو بين رئيس الحرفة والصانع.
في منظمات المجتمع المدني تلتقي الحرية الفردية مع الحياة الجمعية، فمن جهة لكل فرد الحق في أن يدخل أو يترك أية رابطة من الروابط التي يشارك فيها طوعاً، ومن جهة ثانية يشكل الانتماء لجمعية ما شكلاً من أشكال تجاوز المفهوم السلبي للفردية. لعل من أهم التطورات التي يقدمها المجتمع المدني هي العلاقة بين الفرد والمجتمع، انطلاقا من قاعدة ترى في تطور وازدهار حرية الفرد أمرا لا يتعارض مع الجماعة، فالجماعة الصحية هي تلك التي تتيح لأفرادها أوسع قدر من الحرية، في الوقت الذي ترى فيه أنه لا وجود لجماعة صحية تعامل أفرادها كرعايا أو كأرقام لا حول لها ولا قوة.
2- الاستقلالية النسبية عن الدولة، وهي ما تسمح بتكون رأي عام غير رسمي، أي لا يخضع لسلطة الدولة، فهذه المنظمات تختلف عن تلك الموجودة في المجتمع السلطوي أو في المجتمع الشمولي الاستبدادي، حيث البشر لا رأي لهم.
3- المؤسسية، العمل المؤسسي هو أحد مميزات تنظيمات المجتمع المدني، ويشير إلى علاقات تعاقدية حرة في ظل سيادة القانون.
4- التخصص المرتبط بالغاية والدور، إذ تتشكل هذه التنظيمات حسب الميول والرغبات والأهداف والمصالح.
إن هيئات المجتمع المدني هي مؤسسات ذاتية التأسيس والاشتغال، وحينما تفقد أي مؤسسة استقلاليتها عن الدولة، فإنها تفقد بذلك العنصر الجوهري الذي يميز المجتمع المدني، لكن استقلال المجتمع المدني عن الدولة لا يعني بالضرورة أنه نقيض أو خصم لها، أو لا توجد بينهما أي صلة، وإنما تعني أن علاقته بها لا تتسم برابطة التبعية، وعندما تكون هناك أعمال مشتركة تساهم فيها الدولة والمجتمع المدني في نفس الوقت، فإن طبيعة العلاقة في هذه الحالة تكون مبنية على الشراكة والتعاون. بالمقابل، فإن انفصال الدولة عن المجتمع المدني يعني استقلال الدولة عن المصالح الطبقية أو الفئوية أو المحلوية، أو حيادها إزاءها، وحيادها إزاء الدين وإزاء المذاهب الفكرية والنظريات السياسية، وهذا ما يمكنها من أن تكون أداة لتنظيم التعارضات الاجتماعية والصراعات الطبقية وإدارتها. وهذا يعني في المآل أن هذا الانفصال أو الاستقلال ليس انفصالاً ميكانيكياً، ولا استقلالاً مطلقاً، بل هو بالأحرى ما يجعل من الدولة والمجتمع المدني قطبين جدليين في وحدة تناقضية.

4- المجتمع المدني والمجتمع الأهلي
لعل أكثر الالتباسات شيوعاً تلك التي تحاول الموازاة بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي. السبب في ذلك ربما قرب تعبير المجتمع المدني من الخبرة أو التجربة العربية التي عرفت “المجتمع الأهلي”، بالإضافة للإيحاءات الدينية الإسلامية لهذا الأخير.
تشتمل علاقات المجتمع الأهلي على السمات التي تميز المجتمعات التقليدية، من عائلية وعشائرية وقبلية وطائفية، كما تنطوي على التراتبات الاجتماعية الكلاسيكية التي تنظم وتضبط العلاقات بين البشر، وهي علاقات اجتماعية تراتبية قسرية تستند إلى روابط القرابة والدم. المجتمع الأهلي أو المجتمع الطبيعي العضوي يقوم أساساً على الروابط والعلاقات الموروثة أو الأولية (العلاقات العضوية أو رابطة الدم) التي ينتمي إليها الفرد لحظة ولادته من دون توافر حرية الاختيار. وهذا يسمح بالقول إن المجتمع الأهلي هو تراصف جماعات إثنية ودينية ومذهبية مغلقة ومتحاجزة ومتفاصلة كالزيت والماء، وتبني فيه هذه الجماعات علاقات تناحرية وتنازعية على السلطة والثروة استناداً لموازين القوى القائمة، ولا يشكل مجموعها أمة أو شعباً، ولا تنتج من علاقاتها المتبادلة دولة.
يضاف لأشكال التماسك الاجتماعي هذه أيضاً روابط أخرى كانت تجمع أهل الحرف والمهن، وتنظم العمل والعلاقات داخل قطاع الإنتاج الحرفي الذي عرفته مدن عربية عديدة في فترات متباينة من تاريخها، فالانتظام الحرفي (أو ما يسمى الطوائف الحرفية) اعتمد تراتبية مماثلة للروابط التقليدية القرابية، ابتداء من “المريد” إلى “الصانع” إلى “المعلم” إلى “شيخ الحرفة” إلى “شيخ السوق”، وهذه المراتب تقوم على أعراف وطقوس وأخلاقيات تميز بين مرتبة وأخرى في المعرفة والقيمة، أي وفقاً لدرجات تحصيل أو معرفة “سر المهنة”.
تميز المجتمع الأهلي عبر التاريخ باستقلال نسبي عن الدولة التقليدية التي كانت قائمة في فترة السلطة العثمانية، مما سمح له القيام بأدوار التنظيم الاجتماعي، كتقديم بعض الخدمات التعليمية الدينية وبعض الخدمات الصحية والاجتماعية من خلال مؤسسات متجذرة في التاريخ، كالزكاة والوقف والزوايا الدينية والتكايا والمستشفيات. هذا الاستقلال النسبي وتلك الأدوار التي قام بها عبر التاريخ سمحت للبعض بالقول إن في تاريخنا ما يوازي المجتمع المدني الذي نشأ في الغرب.
هذا التشابه في الشكل وبعض الوظائف بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني لا يعني التطابق ولا يبرر التماثل بينهما، فالمجتمع المدني يتجاوز المجتمع الطبيعي العضوي، وينتقل بالروابط إلى مستوى العلاقة السوسيولوجية، إذ تحل الروابط المدنية الحديثة (الطبقة، الحزب، الثقافة، النقابة، الجمعية… إلخ) محل رابطة الدم العضوية، وتنبني هذه الروابط على الإرادة الطوعية والاختيار الحر. من هنا تختلف منظمات المجتمع المدني عن منظمات المجتمع الأهلي في كونها تقوم على مبدأ “المواطنة” والولاء للوطن كانتماء أساسي، وكبديل للانتماءات التقليدية التراتبية بأشكالها المختلفة.
على الرغم من التمايز المعروف بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، فإن هذا لا يفترض خلق علاقة تضاد محتومة بينهما، فانغلاق مؤسسات المجتمع الأهلي وعصبويتها يعودان أساساً للسلطة الاستبدادية وممارساتها التي منعت تطورها وانفتاحها، بالإضافة إلى أن المطلوب من نشطاء المجتمع المدني هو النفاذ إلى البنية الاجتماعية، وليس تحويل المفاهيم الحديثة (المجتمع المدني، الديمقراطية..) إلى شعارات أيديولوجية يجري بناء عليها تصنيف البشر وإقصاؤهم.

5- المجتمع المدني والدين
في المجتمع المدني يعاد بناء الانتماءات الأولية (كالانتماء إلى أسرة معينة أو إلى دين محدد أو إلى جماعة إثنية أو لغوية أو ثقافية) من جديد، وهذا أمر طبيعي، فالانتماءات الجديدة (أي الانتماء إلى الوطن أو الدولة السياسية أو المجتمع المدني أو الأمة) تحتوي الانتماءات السابقة وترتقي عليها، بحكم أنها انتماء للكل الذي يكسب الانتماءات الجزئية مضامين جديدة غير معيقة للتطور.
المجتمع المدني هو مجتمع تتاح فيه الحرية لجميع الأديان والمذاهب والأيديولوجيات في التعبير عن نفسها والفعل والتأثير، لكن تبقى دولته السياسية محايدة تجاه الجميع، وتستمر معبرة عن الكل الاجتماعي، الأمر الذي يسمح لنا بالاستنتاج أن المجتمع المدني لا يلتقي أو يتوافق مع دولة الاستبداد وحكم الفرد ودولة الحزب القائد للدولة والمجتمع ودولة العشيرة ودولة الفئة أو الطغمة سواء أكانت دينية أم علمانية.
لا يعارض المجتمع المدني الدين أو المتدينين، لكنه يعارض سلطة رجال الدين، ولا يتوافق مع دولة دينية، كما لا يضع المجتمع المدني نفسه في مواجهة الروابط والعلاقات الأولية، ولا ينفيها نفياً سلبياً، لكنه بحكم علاقاته وروابطه الحديثة ينفيها نفياً جدلياً، أي يجعل الأولوية والمحورية للانتماءات الحديثة وللروابط التي تفرضها، والتي تستند على شكلين من العلاقات: العلاقات الضرورية، أي العلاقات الاقتصادية وعلاقات عملية الإنتاج الاجتماعي والمصالح والمنافع المتبادلة، والعلاقات الاختيارية أو القائمة على الإرادة الحرة، كالانضمام للأحزاب والجمعيات والمؤسسات المختلفة.
وتعتبر المؤسسة الدينية واحدة من مؤسسات المجتمع المدني التي تناط بها وظائف اجتماعية وأخلاقية، ولكنها مؤسسة غير حاكمة، وهذا ينسجم مع الدولة السياسية المتناسبة مع المجتمع المدني، والتي تكون محايدة حياداً تاماً إزاء جميع الأديان والمذاهب والمعتقدات والأيديولوجيات، ومنها الأيديولوجيات العلمانية. فمفهوم المجتمع المدني الحديث يستبعد الدولة الاستبدادية بجميع مظاهرها وآليات عملها، أي يستبعد الدولة الدينية بقدر ما يستبعد دولة الطغمة ودولة العشيرة ودولة الحزب الواحد.

6- المجتمع المدني والسوق
يختزل البعض المجتمع المدني إلى “السوق الاقتصادية”، وهي الرؤية التي تلتقي مع توجهات الليبرالية الجديدة. إذ يجري النظر إلى المجتمع المدني باعتباره مجرد بنية فوقية للنمط الإنتاجي أو للقاعدة الاقتصادية، وتكون نتيجة ذلك هي المساواة بين مفهوم الحرية وحقوق الإنسان وبين الحريات والحقوق التجارية والاقتصادية. إن اختزال المجتمع المدني إلى سوق وافتراض قيام السوق “خارج الدولة”، أي في استقلال عنها، هما من أبرز سمات الليبرالية الجديدة، التي تقوم على رؤية اقتصادوية تختزل الإنتاج الاجتماعي إلى سلع وخدمات يتبادلها الناس ويتداولونها في السوق، فتغدو مجالات الحياة الاجتماعية غير الاقتصادية مجرد هوامش للسوق أو زوائد ملحقة بها أو نافلة يمكن الاستغناء عنها.
يبدو اختزال ميادين الحياة الاجتماعية المختلفة إلى مجرد هوامش للسوق أمراً غير منطقي، لأنه ما زال من غير الممكن قيام السوق من دون الدولة، وحتى ما يسمى “السوق العالمية” لا تزال تعتمد بشكل أساسي على وجود الدول.
المجتمع المدني حقل متمايز، لكنه مرتبط جدلياً بالدولة والسوق، ومن هنا تجري تسميته بالقطاع الثالث في المجتمع، وهو يعمل لإلزام كل من الدولة والسوق بممارسات صحيحة تقوم على احترام قواعد دولة الحق والقانون، وإيجاد الحلول للتشوهات والانتهاكات الناجمة عن المنطق التعسفي في بعض الأحيان لكل من السلطة ورأس المال.

+رابعاً: نحو إعادة تأسيس المفاهيم السياسية الحديثة: الشعب والأمة والقومية

1- مفهوم الشعب
الشعب مفهوم سياسي يحيل على كينونة اجتماعية، ويتخطى مفهوم المجتمع والمجتمع المدني، أو يتجاوزهما جدلياً، أي إنه يحمل مفهوم المجتمع المدني بوصفه أساسه ومحتواه، ويعيد إنتاجه سياسياً، أو في المجال السياسي؛ أو لنقل إنه الصيغة السياسية للمجتمع المدني.
الشعب ليس مقولة بديهية، ولا واقعاً ناجزاً، بل هو ناتج تطور تاريخي وارتقاء من التشظي والتحاجز والتنافس والتناحر إلى الوحدة، ناتج تطور الفرد الطبيعي إلى كائن اجتماعي، ومن ثم إلى مواطن، وناتج تطور الجماعة البشرية إلى مجتمع، ومن ثم إلى مجتمع مدني، ومجتمع سياسي.
تحيل مقولة الشعب، في بلادنا، على مقولة الاندماج القومي والاجتماعي، أي على جميع العمليات أو السيرورات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والتربوية والأخلاقية التي ترقى بمجتمعاتنا من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حديثة، أو التي ترقى بالجماعات المغلقة المتحاجزة من حالة الملل والنحل والطوائف والعشائر والإثنيات إلى الحالة الوطنية/القومية؛ من دون إلغاء الملل والنحل والمذاهب والأديان والإثنيات، فهذه لا يمكن إلغاؤها؛ الذي يمكن إلغاؤه هو العلاقات الطائفية والمذهبية والدينية والإثنية التي لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون علاقات سياسية، وهنا تتضح جميع الدلالات السياسية لمفهوم الشعب. هذا الانتقال أو الارتقاء الضروري غير ممكن إن لم يتأسس على المساواة، وعلى الاعتراف المبدئي والنهائي بحرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن.
يمكن الحديث عن مجتمعات في دولة واحدة، كالمجتمعات البدوية والمجتمعات الريفية ومجتمعات المدن .. إلخ، ولكن لا يمكن الحديث عن شعوب في دولة واحدة. فما أن نتحدث عن شعب وشعوب حتى نغادر علم الاجتماع الخالص إلى علم الاجتماع السياسي، وإلى علم السياسة، ونغادر من ثم مستوى الوجود الاجتماعي المباشر إلى أحد أشكاله أو تشكلاته الثقافية والسياسية.
الشعب جملة حية وكلية عيانية؛ لا يستقيم أن تكون حرة وسيدة وجزء من أجزائها منقوص الحرية والسيادة. فإذا انتقصت حرية الفرد وسيادته على نفسه انتقصت حرية الشعب وسيادته، وإذا كان في شعب من الشعوب جماعة ثقافية أو لغوية أو قومية أو إثنية لا تتمتع بحريتها وحقوقها، مهما قلَّ عددها، فإن حرية الشعب كله منقوصة، وكذلك حقوقه وسيادته.
يجب أن نمتلك الطاقة الفكرية للتمييز بين مفهوم الشعب ومفهوم السكان، تماماً كما نميِّز بين علم السياسة وعلم الإحصاء. ثمة ثلاثة أركان يقوم عليها مفهوم الشعب، هي: الحرية والمساواة والقانون. الحرية نقيض العبودية، والمساواة نقيض الامتيازات من أي نوع ومن أي درجة، والقانون هو الضمانة الموضوعية لهذه وتلك، أي للحرية والمساواة. وعلى هذه الأركان ذاتها يقوم مفهوم الوطن، وإلا تحول الوطن إلى مكان إقامة أو إلى مجرد بيئة طبيعية غريبة.
الشعب مفهوم سياسي يرمز إلى مواطنين أحرار، لا إلى مسلمين ومسيحيين ويهود، على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، ولا إلى عرب وكورد وأثوريين وتركمان، ولا إلى عشائر وعائلات ممتدة. أي إن جمعاً حسابياً لإثنيات وعشائر وأديان ومذاهب لا يساوي شعباً، ولا يساوي أمة حديثة.
كثيراً ما يردِّد المثقفون والسياسيون والأكاديميون أن الشعب هو مصدر السيادة والمشروعية، وهذا صحيح نظرياً منذ أن كف الناس عن النظر إلى السلطة على أنها تفويض إلهي، أو هبة من السماء. بيد أن هذه الحقيقة تغدو فارغة من أي معنى ما لم يكن الشعب الذي يفترض أنه مصدر السيادة سيداً حراً مستقلاً، ومن ثم فلا معنى للمشروعية إذا لم تكن مستمدة من هذه السيادة وهذه الحرية وهذا الاستقلال، وقائمة عليها، أو مؤسسة عليها. إن سيادة الشعب وحريته واستقلاله لا تحتاج إلى تسويغ، فالشعب يستمد قيمته ومشروعيته ومسوغاته من ذاته وليس من أي عنصر خارجي (السيادة عند بعض الإسلاميين، هي “حاكمية الله” أو “ولاية الفقيه”، بحسب المتكلم، وسيادة العرب على غير العرب عند القوميين).
الشرعية كالسيادة في العموم والإطلاق والوحدانية والثبوت والسمو، لأن صاحب السيادة هو مصدر الشرعية. فحين تكون السيادة مرادفة لحاكمية الله، أو ولاية الفقيه، تكون الشرعية “إسلامية” تستمد من صاحب السيادة، أي من الله. وتكون “قومية” تستمد من الأيديولوجية القومية عند القوميين، أو “ثورية” تستمد من الماركسية اللينينية عند الاشتراكيين. في مقابل الشرعية المستمدة من الأمة أو من الشعب، صاحب السيادة، بوصفه مصدراً وحيداً للشرعية ومصدراً لجميع السلطات.

2- مفهوم الأمة والقومية
لا بدّ من إعادة تعريف الأمة والقومية أو الوطنية، (ولا فرق)، انطلاقاً من الحاضر والراهن أولاً، وبدلالة المجتمع المدني الحديث والدولة الحديثة، بوصفهما حدين جدليين في كلية عينية، ثانياً.
الأمة تجريد نظري مثالي، ثقافي وأخلاقي، يحيل على وجود اجتماعي متعين في المكان والزمان، ليس له من اسم آخر سوى المجتمع المدني، والدولة الوطنية هي شكله السياسي. إذن، تتعين الأمة واقعياً في المجتمع المدني والدولة السياسية بالتلازم الضروري، إذ ليس هنالك مجتمع مدني بلا دولة وطنية، ولا دولة وطنية بلا مجتمع مدني.
لا ينفصل مفهوم الأمة الحديثة عن مفهوم الدولة الحديثة. الأمة الحديثة كالدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة وتتقاطع مع مفهوم الشعب بصفته مفهوماً سياسياً، وتتجسد بالفعل في المجتمع المدني. الأمة هي المعادل الثقافي والأخلاقي للمجتمع المدني، والشعب هو المعادل السياسي للمجتمع المدني والأمة على السواء. ومنها الأمَّوية أو القومية أو الوطنية، وترادف الجنسية، وهي سمة حقوقية تلازم الأفراد بوصفهم مواطني الدولة المعنية.
القومية فضاء ثقافي أو حضاري مشترك بين جميع قوى الأمة وتمثيلاتها، تتقاطع فيه وتتجابه جميع التيارات الفكرية والأيديولوجية والسياسية، ولذلك هي صفة للدولة المعنية منظوراً إليها من الخارج، أي من غير مواطنيها؛ لذلك فإن جميع التيارات والأحزاب “القومية” والإسلامية والاشتراكية والليبرالية والديمقراطية وغيرها هي أحزاب وتيارات قومية تعبر عن قوى الأمة المختلفة والمتعارضة.
ومن ثم فإن مفهوم المجتمع تعبير سوسيولوجي، ومفهوم الأمة تعبير ثقافي، ومفهوم الشعب تعبير سياسي عن حقيقة واحدة هي الدولة الوطنية أو القومية؛ وهذه الأخيرة أي الدولة الوطنية لا تبدو لمواطنيها إلا في صيغة النظام العام والمصلحة العامة والإرادة العامة، أي في صيغة دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز.
ما كان للقومية أو الوطنية أن تكون صفة للدولة لولا عنصر العمومية في الصفة والموصوف؛ والصفة في العربية تابعة للموصوف في جميع أحواله؛ القومية أو الوطنية صفتان تابعتان لموصوف هو الدولة، أما في الفكر السياسي العربي بوجه عام وفي الفكر القومي بوجه خاص فإن الصفة، الوطنية أو القومية، أكلت الموصوف حتى لا نكاد نلمح له أثراً، ولذلك اكتسى مفهوم الوطنية أو القومية طابعاً قيمياً خالصاً. فإذا كانت الدولة تعبيراً عن الكلية الاجتماعية أو المجتمعية، بكل ما تنطوي عليه هذه الكلية من تنوع واختلاف وتعارض، فإن الوطنية أو القومية التي نصف بها الدولة هي صفة هذه الكلية، بغض النظر عن الفروق الإثنية واللغوية والثقافية والدينية والمذهبية والطبقية وما إليها.
القومية ليست أيديولوجية، كما حاول الفكر القومي التقليدي أن يصوغ أصالتها، وهي ليست تجميعاً كمياً لوحدات وكيانات مجزأة. القومية هي تحقيق لذات الأمة، وبالدرجة نفسها تحقيق لمفهوم سيادة الفرد على مصيره، وسيادة الأمة على مصائرها. وعلى هذا فإن “الأمّويّة”، ليست شعوراً متمحوراً حول السيادة القومية إزاء الخارج فحسب بل إنها “شعور ووعي متمحوران حول سيادة الأمة في الداخل، سيادتها على نفسها”.
إن لمفهوم القومية ومفهوم الأمة، في الخطاب السياسي العربي، بعداً إثنياً أو عرقياً يتخفَّى في اللغة والتاريخ وغيرهما مما يسمى “مقومات القومية العربية”، ويخرج الجماعات الإثنية واللغوية والثقافية من دائرة الأمة، أي من دائرة المجتمع المدني والدولة القومية؛ وبعداً دينياً مذهبياً يخرج غير المسلمين ومعهم أتباع المذاهب الإسلامية (الأقليات المذهبية) من دائرة الأمة ومن دائرة الدولة؛ وهذه أمارة أخرى من أمارات تشظي الحقل الثقافي والسياسي، لا بفعل التجزئة الاستعمارية أيضاً، بل بفعل التكسر المجتمعي ونقص الاندماج القومي.
الأمة عند الإسلاميين هي “الأمة الإسلامية”، النقية دينياً، بحسب المتكلم أيضاً، وهي “الأمة العربية” النقية عرقياً ولغوياً عند القوميين، ولا يخفى تداخل مقولتي الأمة العربية والأمة الإسلامية، بحكم تداخل العروبة والإسلام. فلمفهوم الأمة في الخطاب السائد دلالة دينية، بل مذهبية، إسلامية أو عرقية، في مقابل الأمة بصفتها جماعة سياسية وأخلاقية هي مضمون الدولة وقوامها وأساسها وعمادها، يتساوى في عضويتها، أي في عضوية الأمة، المسلم وغير المسلم والمؤمن وغير المؤمن والعربي وغير العربي، ولهذا توصف الدولة الوطنية بأنها الدولة/الأمة، ودولة الشعب.
أما في الخطاب القومي العربي، فيلاحظ أن معاني “الأمة العربية” و”الشعب العربي” و”القومية العربية”، تستمد أرضيتها الفكرية انطلاقاً من لحظة تدشينية تقع في الماضي البعيد، وتستمد قيمتها من مبدأ “الأصل” المبارك أو المقدس، مما يجعل الحاضر لحظة فارغة، إلا من الماضي وأمجاده، ويجعل العروبة مجرد ذاكرة، يتحدد في ضوئها وعي “الذات القومية”. يؤطر هذا الوعي نفسه بإطار من تاريخ “عربي إسلامي” هو سلسلة من الانتصارات والأمجاد، وثقافة “عربية إسلامية” كانت ولا تزال “مشعلاً للهداية” وموئلاً للحكمة والعقل والأخلاق ومعياراً للحقيقة.

3- الدولة الوطنية والدولة القومية

أ- إشكالية القومي والقطري
لعل المسألة الأساس المطروحة اليوم على الفكر السياسي، نظرياً وعملياً، تتعلق بالدولة القائمة بالفعل هنا والآن، في سورية أو في العراق أو في غيرهما، وبإمكانات تحولها إلى دولة وطنية لجميع مواطنيها، وصيرورتها من ثم دولة/أمة. في هذه الحال يغدو من البديهي الحديث عن أمة سورية وأمة عراقية، كما نتحدث اليوم عن مجتمع سوري ومجتمع عراقي، وشعب سوري وشعب عراقي، خاصة وأن مفهوم الشعب هو المعادل السياسي لمفهوم الأمة.
لم يمنح الفكر القومي العربي والأحزاب القومية والإسلامية والاشتراكية الدول “القطرية” أي مشروعية، رغم أنها كانت تتعزز وتترسخ عاماً بعد عام، وقد تحول معظمها، بدرجات مختلفة، إلى دول شمولية، تسلطية أو أمنية، أجهزت في كل مكان من العالم العربي على جنين الدولة الوطنية، التي كانت آخذة في النمو.
كما أن الحديث عن شعب واحد في دولتين، أو في عدة دول، يضمر عدم الاعتراف بإحدى هاتين الدولتين، أو بهما، وبتلك الدول. وتلكم هي إشكالية “القومي والقطري” في الفكر السياسي العربي المعاصر، الإشكالية التي لم تجد لها حلاً حتى يومنا، وقد نجم عنها موقف وجداني أو شعوري قوامه رفض الدولة القائمة بالفعل، وعدم الثقة بها، ومن ثم عدم احترامها، والنظر إليها على أنها انحراف تاريخي وعرض زائل عما قريب، ومعارضتها بدولة ليست موجودة سوى في الذهن. ربما رأى كثير من المثقفين والسياسيين العرب أن صيرورة أي من هذه الدول دولة وطنية حديثة أو صيرورتها جميعاً دولاً وطنية حديثة تعني ضياع المشروع الوحدوي وخسارته نهائياً، وكأن المشروع السياسي الوحدوي لا يقوم إلا على أشلاء هذه الدول القطرية.
القوموي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بـ “الدولة القومية”، “دولة الأمة العربية” النقية، والإسلاموي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بدولة إسلامية نقية، بحاكمية الله أو ولاية الفقيه، والاشتراكي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بدولة اشتراكية، أو بدكتاتورية البروليتاريا وبالأممية البروليتارية. الغائب الأكبر في الفكر السياسي العربي هو الواقع العياني؛ لذلك لم يعن الفكر السياسي العربي المعاصر بمسألة الدولة ومسائلها عناية جدية، ومن البديهي وهذه الحال ألا يعنى بمسألة المجتمع ومسائله، ولا سيما بمسألة المجتمع المدني وما ينتمي إليها ويتعلق بها من مسائل كالإنسية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية.
من هنا فإن الافتراض الأكثر واقعية هو أن أي حالة اتحادية مستقبلية قد تكون نتيجة لتقدم الدول العربية القائمة، أي لتحسن حياة شعوبها في مختلف الميادين، وصيرورتها دولاً وطنية وديمقراطية تدفعها مصالح شعوبها إلى نوع من وحدة أو اتحاد فدرالي، على غرار الاتحاد الأوروبي، بعد أن فشلت أشكال التوحيد القسري البسماركي أو البونابارتي.
فالاتحاد، كما أكدت تجربة القرن الماضي، ليس مجرد رغبة عاطفية أو فعلاً من أفعال الإرادة السياسية فحسب، وضرورته لا تنبع من “التحديات الخارجية” فحسب، بل هو فعل مجتمعي يعبر عن اتجاه سير المجتمع وعن خياراته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لذا فهو ليس تعبيراً عن إرادة “الأحزاب القومية”، ولا يمكن أن يأتي إلا في سياق تطور سياسي اقتصادي للدول المعنية بالاتحاد. كذلك، فقد ظهر بوضوح أن رهن التغيير السياسي وبناء نظام اقتصادي حديث بالوحدة العربية وبالقضاء على النفوذ الإمبريالي وإسرائيل والرجعية كان ولا يزال يصب في مصلحة الطغم المستبدة التي نهبت البلاد وأذلت شعوبها.
لا بد أن نقيم حداً معرفياً ومنطقياً وتاريخياً بين الإثنية والقومية، بمعناها الحديث والمعاصر. والمدخل إلى ذلك هو إعادة الاعتبار للدولة القائمة بالفعل، هنا والآن، والعمل على صيرورتها دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز، أي العمل على صيرورتها دولة المجتمع وتعبيراً فعلياً عن كليته، وحينئذ فقط يصبح طرح أي مشروع وحدوي أمراً مشروعاً وممكناً، لأنه سيغدو تعبيراً عن المصلحة العامة والإرادة العامة، لا عن مصلحة أو أوهام هذا الحزب أو ذاك وإرادته.

ب- العروبة والأيديولوجية القومية
كان الخطاب القومي العربي خطاباً أيديولوجياً حافلاً بالأوهام، ويتغذى على أوهامه الذاتية، وهو ما أنتج نظماً سياسية استبدادية، شعاراتها ما فوق وطنية وممارستها ما دون وطنية، فأعادت إنتاج العنصرية والمذهبية وانحطت بالممارسة السياسية والقيم الأخلاقية إلى أسفل سافلين، وكانت وبالاً على العرب والعروبة.
لا بدّ من التمييز بين العروبة والقومية العربية، على اعتبار الأولى فضاء روحياً، ثقافياً وأخلاقياً، مشتركاً بين العرب والناطقين بالعربية، والثانية مذهب سياسي مستند إلى بنية أيديولوجية محددة.
لقد قام الفكر القومي العربي بتسييس العروبة عبر تحويل إرثها الثقافي إلى ثقافة سياسية وفرضها على المجتمع بالقسر والإكراه، وبالتالي تحولت الثقافة إلى كيان لا تاريخي يحل محل العرق أو العنصر في الفكر العنصري. لذا يجدر بنا التفريق بين الفكر العربي والفكر القومي، وبين الثقافة العربية والثقافة القومية، فالفكر القومي لا يستنفد الفكر العربي ويستغرقه، والثقافة القومية لا تستنفد الثقافة العربية وتستغرقها، كما يتوهم القوميون العقائديون. الجماعات غير العربية لا تشذ عن هذه القاعدة، إذ يصطنع قوميو كل منها نموذجاً ثقافياً، يميزهم من غيرهم، ويحل محل العرق المسكوت عنه، أو يقنِّعه. هذا يعني أن هناك فرقاً بين الثقافة العربية أو الكوردية أو الآشورية، أو غيرها، بما هي ثقافة تواصلية وتبادلية، وبين “الثقافة القومية” التي يصطنعها قوميو هذه الجماعات، بما هي ثقافة تفاصلية وإقصائية، ولا تعدو كونها تعبيراً عن النزعة العنصرية في أي قومية.
يعتقد القوميون أن هذا التسوير الثقافي للذات “القومية” هو ما يحفظ بقاءها ويصونها ويحميها من الذوبان والتلاشي، لكنه في الحقيقة يحبسها ويحولها إلى ثقافة عنصرية ويعوِّق نمو الثقافة وتطورها.
في سورية، ينبغي الانتقال من النزعة القومية، لدى العرب وغير العرب، إلى الوطنية السورية التي تشكلت في خضم الكفاح الوطني من أجل الاستقلال وبناء الدولة الوطنية الحديثة، ومن الثقافة القومية إلى الثقافة الوطنية، بما هي فضاء روحي مشترك بين جميع السوريين وحاضنة لتطور الثقافات واللغات العربية وغير العربية، بقدر انفتاحها على الثقافة الإنسانية ومنجزاتها الفكرية والفنية والعلمية والتقنية.

+خامساً: العلمانية والعلاقة بين الدين والسياسة

1- إشكالية المفهوم والعلاقة بين الدين والسياسة
لا شك أن الشارع الشعبي يمتلك حساسيّةً خاصّةً تجاه مفردة “العلمانيّة،” وربما يعود ذلك إلى ارتباط هذه الكلمة بسياسات النظام الاستبداديّ الذي حاول تقديمَ نفسه على أنه نظامٌ علمانيّ، وهو في الحقيقة أبعدُ ما يكون عن العلمانيّة. كما يعود إلى ارتباط المفردة، كما حاول العلمانيون المبتذلون إيصالها، بالموقف السلبيّ والعدائيّ من الدين ــ وهذا الفهم لا علاقة له بالفهم الفلسفيّ والفكريّ للعلمانيّة، وبتجسيداتها السياسيّة.
هناك ما يمكن تسميته بـ “العلمانيّة الطائفيّة”، وهي توصيفٌ لتفكير سطحي ومختزل لدى قطاعٍ من المثقفين والسياسيين. إذ تُختزل العلمانيّة لديهم إلى “فصل الدين عن الدولة،” ثم تُختزل بعد جولة نقاشٍ بسيطة إلى موقف ضدّ حجاب المرأة ومع حريّة تناول الكحول، وإلى التخوّف على فقدان هذه النِّعَم التي يتيحها نظامُ الحكم المستبد. وهذا الفهم المبتسر والسطحيّ يتكشّف في المآل الأخير عن قاعٍ طائفيّ لدى هذه العلمانيّات المدّعية، وعن موقف متعالٍ ومتعجرفٍ إزاء الآخر المختلف.
العلمانيّة مفهوم أوسع من هذا الذي تقدّمه هذه العلمانيّاتُ الطائفيّة (أو بالأحرى الطائفيّون الذين يتستّرون بقشرة علمانيّة شكليّة). إنها رفضٌ لهيمنة أيّ فكر أو دين أو إيديولوجيّة أو حزب أو فردٍ على الدولة وأجهزتها ومدارسها ونقاباتها وشوارعها. بهذا المعنى كان حزبُ البعث منذ استلامه السلطة الأكثرَ سلفيّةً، وكان شأنه في ذلك شأن الحكومات الإسلاميّة السلفيّة.
الدولة في النظام العلمانيّ قطاعٌ حياديّ مستقلّ فكريًّا وسياسيًّا عن الحزب الموجود في السلطة، لتكون الدولةُ دولةَ كلّ المجتمع، لا دولةَ البعثيين أو الإسلاميين أو دولة الحاكمين. العلمانيّة لا تتجسَّد إلا في بيئة الحريّة واحترام حقوق الإنسان، فاحترامُ الآخر والقبولُ بوجوده وبحريّته هما أساس كلّ رؤية علمانيّة حقيقيّة، وبالتالي ليس ما يحدِّد علمانيّةَ فردٍ أو طرفٍ ما هو الفكر الذي يحمله أو الأيديولوجيّة التي يتبنّاها أو الدين الذي يعتنقه أو الطائفة التي ينتمي إليها؛ وإنما هو ذلك الإيمان الراسخ بحريّة الآخر المختلف.
من هنا، فإنّ المتديِّن الذي يؤْمن بحريّة الآخر المختلف عنه ويقبل بوجوده وينظر إليه نظرةَ الشريك في الوطن هو ما يمكن توصيفُ موقفه وسلوكه بالعلمانيّ. أما ذلك الذي يختزل الحريّة، التي هي جذر العلمانيّة وأساسها، بمظاهر شكلية، ولا تعنيه جملة الحريّات الأساسيّة الأخرى، فلا يمكن تسميته إلا بالعلمانيّ المبتذل. وليس من قبيل المصادفة أن يكون هذا الابتذالُ مستلهمًا لروحٍ طائفيّةٍ في العمق. العلمانيّة في المحصّلة ليست موقفًا ضدّ الدين أو ضدّ أيّ فكر أو أيديولوجيّة. إنها موقفٌ راسخٌ مع الحريّة وضدّ الهيمنة والاستبداد من أيّ نوع كان.
على العموم، لا تزال العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة في ثقافتنا وتراثنا تحكم رؤية الكثيرين. هنا نقول إن الدين غير السياسة والسياسة غير الدين، فالدين مجال الذاتية، أي مجال الإيمان، والسياسة مجال العلاقات الموضوعية التي تعينها نسبة القوى، ومنهج السياسة نفعي براغماتي دوماً، ولا يتسق في معظم الأحيان مع القيم الروحية والأخلاقية للدين. هذا يعني أنه ينبغي تحرير الدين من السياسة وتحرير السياسة من الأيديولوجيات الدينية المفصلة على مقاس حامليها، والمثقلة بالمصالح الذاتية لهم.
فيما يخص العلاقة بين الإسلام والسياسة، لا بدّ هنا من تقرير حقيقة مهمة من حيث المبدأ: إن أي حديث تجريدي عن الإسلام لا يكون مفيداً ولابدّ من ربطه بمدرسة أو مذهب أو شخص أو فرقة معينة، أي لا بد من الحديث عن تفسير وفهم للنصوص التي تمثل مصادر الإسلام، وهي نصوص القرآن والسنة، لأن “القرآن لا ينطق وإنما ينطق عنه الرجال” كما يقول الإمام علي بن أبي طالب. وأيضاً لأنه ليس هناك من نص مهما كان مقدساً له معنى ذاتي لازم ونهائي، فالمعاني تستخلص بعمليات معقدة يقوم بها عقل ما، محكوم سلفاً بعلاقات الزمان والمكان بكل ما يعتمل فيها من مصالح وعادات وتقاليد ومعارف سائدة. الإسلام دوماً هو إسلام المتكلم، يتغير بتغير الذات المتكلمة، إذ تتباين قراءات النصوص المقدسة والسرديات التاريخية وتأويلاتها تبايناً يبلغ حد التكفير المتبادل. بالتالي، فإن أول ما يجب أن يفعله الإسلام السياسي هو نزع ثوب القداسة عن أطروحاته، والاقتناع بمشروعية وأهمية القراءات المتعددة للإسلام كدين من جهة، وأن من يريد أن يدخل معترك السياسة عليه أن يؤمن بمنطقها الواقعي والموضوعي.

2- مبادئ العلمانية وأركانها:
تقوم العلمانية على ثلاثة أركان:

أ- الإنسانوية أو الإنسية
تعني الإنسانوية أو الإنسية أن الإنسان هو المبتدأ والخبر، المنطلق والغاية، لا يجوز أن يكون وسيلة لأي غاية مهما سمت، أرضية أو سماوية. وهي لا تقتصر على إعادة الاعتبار للإنسان بصفته مركز العالم ومعيار جميع القيم فحسب، بل بصفته ذاتاً حرة فاعلة ومسؤولة. الحقيقة الأولى والكلية الثابتة هي الإنسان، وهذه تعني احترام الإنسان وتقديره حق قدره لذاته، لا لحسبه ونسبه ولا لثروته ولا لقوته وجبروته، ولا لأي صفه أخرى من صفاته أو لأي من محمولاته، وأن جميع محمولات الإنسان، المادية والروحية على السواء، تنسب إليه وتستمد قيمتها منه، وجميع أفكاره وتصوراته ومعتقداته وعلومه وجميع النظم التي ينتجها نسبية ومحدودة بمطلق واحد هو الإنسان، وأنها جميعاً قابلة للتغير قياساً بثابت واحد هو الإنسان الذي يمتلك القابلية للتحسن والتقدم والارتقاء إلى مالا نهاية، وعليه يتأسس المجتمع المدني، والمواطن الذي يتأسس عليه المجتمع السياسي.

ب- المساواة
تتجلى الماهية الإنسانية في جميع أفراد النوع بالتساوي، فليس هنالك من هو أكثر أو أقل إنسانية من الآخر، فإذا جردنا الفرد المعين من جميع صفاته وتعييناته ومحمولاته تبقى لنا ماهيته أو جوهره الذي يشترك فيه مع جميع أفراد النوع بالتساوي؛ أما إذا جردناه من إنسانيته فلا يتبقى منه أي شيء.

ج- المواطنة
لا يمكن الحديث عن المواطنة إلا بالانطلاق من قاعدة إنسانية واعتماد معايير إنسانية، فالإنسانية أو الإنسية هي أساس الوطنية ورافعتها. فلا يمكن أن يعترف أحدنا بتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات إذا لم يعترف أولاً بتساويهم في الكرامة الإنسانية. الإنسانية والمواطنة صفتان لا تقبلان التفاوت والتفاضل؛ فليس من فرد هو أكثر أو أقل إنسانية من الآخر، وليس من عضو في دولة معينة هو مواطن أكثر أو أقل من الآخر.
المواطنة منظومة حقوق مدنية وسياسية وحريات شخصية وعامة وواجبات مدنية والتزامات قانونية متساوية، ومشاركة في حياة الدولة ومؤسساتها، ولذا تعني المواطنة العضوية الكاملة في الدولة السياسية، أي في الدولة الوطنية أو القومية، ولا فرق. إذ تصير المواطنة هي العلاقة الأساسية التي تربط بين جميع مواطني الدولة المعنية، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والإثنية والطبقية وما إليها. ومن هنا تأتي أهمية مبدأ “حياد الدولة الإيجابي” إزاء جميع الأديان والمذاهب والأيديولوجيات والعقائد السياسية، وإزاء الانتماءات العرقية.
للمواطنة ثلاثة أبعاد أساسية أو ثلاثة مجالات: أولها أن المواطنة حالة قانونية، أو وضع قانوني، فهي، بهذا المعنى، ترادف “الجنسية” التي يكتسبها الفرد من عضوية الدولة، ويتحدَّد هذا البعد بالحقوق الاجتماعية، المدنية والسياسية.
والبعد الثاني، بعد اجتماعي/سياسي، بالمعنى الواسع للكلمة، قوامه النظر إلى المواطنين بصفتهم قوة اجتماعية / سياسية يشاركون بنشاط في الشؤون العامة وفي حياة الدولة من خلال مؤسسات المجتمع المدني، كالجمعيات والنقابات وجماعات الضغط والأحزاب السياسية.
أما البعد الثالث فيتعلق بالهوية الوطنية التي يستمدها الفرد من عضويته في “جماعة سياسية”، فالجماعة السياسية، أي “المجتمع المنظم” أو “الأمة المنظمة” أو “المجتمع السياسي”، هي المصدر الوحيد للهوية بأبعادها الاجتماعية والثقافية والسياسية والأخلاقية. ما يعيِّن فارقاً جوهرياً بين الأصل والهوية من جهة، وينفي أن يكون العرق أو الدين أو المذهب أو الطبقة الاجتماعية أساساً للهوية الوطنية، أو أن تكون الهوية الوطنية تعيُّناً للعرق أو الدين أو المذهب أو الطبقة الاجتماعية، أو امتداداً لأي منها، أو نتيجة من نتائج انتماء الفرد إلى أي منها.
في ضوء ما تقدم، المواطنة المؤسسة على تساوي البشر إناثاً وذكوراً في الكرامة الإنسانية تنفي نفياً قاطعاً مفاهيم أهل الذمة وأهل الكتاب والأعاجم والموالي وما إليها، وتنفي مفاهيم الولاية والوصاية والقوامة، والمواطنة تقتضي قانوناً مدنياً وضعياً يسري على جميع المواطنين بالتساوي وبلا استثناء، ويكفل حق أي مواطنة أو مواطن في تسلم أي منصب وفقاً للكفاءة والجدارة والاستحقاق.

+سادساً: الديمقراطية

1- الحاجة إلى إطلاق حوار جديد حول الديمقراطية
هل يكفي زوال سلطة ما، ومجيء أخرى غيرها، لتصبح الديمقراطية واقعاً ملموساً في الدولة والمجتمع؟ أم أن الثقافة السائدة، بطبيعتها الراهنة ومرتكزاتها وعناصرها، عند النخبة وفي المجتمع، هي ثقافة مولِّدة للاستبداد، ولا تقي من ظهور استبدادات أخرى في السطح السياسي؟
الشواهد على ذلك كثيرة، وفي مستويات متعدِّدة، داخل الأحزاب السياسية، وفي علاقة الأحزاب ببعضها بعضاً، وحتى في حوارات المثقفين، وفي الموقف من الآخر والمرأة والطفل… إلخ.
ألا يحق لنا أن نتساءل حول الأرضية التي تقف عليها المعارضات السياسية، في طول المنطقة العربية وعرضها، في معارضتها للسلطات القائمة ومطالبتها بالديمقراطية، إذا كان الوضع الحالي يشير إلى أنه لا فروق جوهرية، في الرؤى والمنطلقات، بين من يحكمون ويمسكون بزمام الأمور، وبين من لا يحكمون؟
الممارسات والمواقف الواقعية تجعلنا نتجرّأ على القول إن الفارق الوحيد هو امتلاك وسائل القوة والقدرة على القمع، فإذا ما توافرت هذه الوسائل، فلا مكان عندها للآخر والديمقراطية.
كثرة الحديث عن الديمقراطية لا تعني بالضرورة وجود إيمان عميق بها، فكثيرون يطمحون إلى لعب دور الحزب الوحيد أو الحزب القائد، وتأتي الديمقراطية – كما يظهر في الممارسة – كشكل من أشكال أو عمليات تجميل البرامج السياسية. بهذه المعاني والدلالات، تكتسب إعادة فتح الحوار حول الديمقراطية والتحول الديمقراطي أهمية كبرى.

2- الديمقراطية: من الأمنيات إلى الإنجاز
تفتقر كل دعوة للديمقراطية لمحاولات بسطها في واقع معين وزمن محدد، والسائد هو لغة الدعوة والسحر، في مقابل أن ما نحتاجه هو منطق الواقع. يمكن تسمية البسط الواقعي المطلوب باستراتيجية التحول الديمقراطي، التي تنطلق من القيم الديمقراطية العالمية وتحاول بسطها في واقع وزمن محدَّدين. تنطلق من الأسس العامة وترسم خطة عملية وزمنية في الواقع الذي تعالجه، لتقوم بإنتاج تجربة ديمقراطية تشترك في أسسها العامة مع الدول والمجتمعات التي عرفت النظام الديمقراطي، وتختلف عنها ببعض الخصائص التي يفرضها الواقع القائم والبشر وتوازنات القوى ودرجة التقدم والمستوى الاقتصادي في الدولة أو المجتمع المعني.
الانتقال من حيز الدعوة الديمقراطية إلى حيز بسط الفكرة الديمقراطية يتطلب الانتقال على الصعيد الثقافي من الأيديولوجية إلى الفكر والمعرفة. الدعوة الأيديولوجية لا تتجاوز منطق التبجيل والرؤية السحرية والمعجزة. تماماً كما كانت الدعوة الاشتراكية أو الدعوة القومية في السابق. فالديمقراطية في خطاب الدعوة هي الدواء الشافي من كل داء، وهي مفتاح لحل جميع المشكلات والمعضلات، وهي الفكرة المعجزة التي ستنقلنا من حال التردي إلى عصر ذهبي متخيل. أما لغة الفكر فتتجاوز منطق الدعوة إلى دراسة الواقع واتجاهاته وميوله وإمكانياته، وتأخذ في الاعتبار البشر وطاقاتهم وأفكارهم والعقبات القائمة والآليات المناسبة، ولا تنظر إلى الخيار الديمقراطي بمنطق الحتمية العلمية أو التاريخية. الأيديولوجيا تبحث دوماً عن مناضلين وأنبياء مخلصين للفكرة ويضحون بحياتهم من أجلها، بغض النظر عن الواقع، فيما الفكر يبحث عن بشر واقعيين، وعن ممكنات واقعية، واستراتيجيات، ومراحل، وسياسيين يؤمنون بالتدرج والتفاوض والتسويات.

3- اختزال الديمقراطية وتسطيحها
غالباً ما طرحت الديمقراطية منزوعة عن جذورها الفلسفية، لتتحول في الغالب الأعم إلى محض آلية انتخابية عددية مفرغة من مضمونها الحداثي، وقد وجدت النسبة الأكبر من النخبة في هذا المنحى الاختزالي والانتقائي، مخرجاً للتنصل من مرتكزات الثقافة الديمقراطية وعناصرها، متجاهلة أن الديمقراطية ليست مجرد صيغة للحكم، بل هي أولاً ثقافة، وإن تبسيطها وتسطيحها إلى مجرد آليات شكلانية فوقية من شأنه أن يمنع أي تغيير حقيقي في الأوضاع السائدة. فالانتقال من نظام شمولي أو استبدادي إلى نظام ديمقراطي لا يحتاج فقط إلى إصلاحات أو تغييرات سياسية ودستورية، وإنما في الأساس والأهم إلى نهضة ثقافية، لذلك لا تكمن وظيفة النخبة الثقافية والسياسية في ممارسة أدوار ومواقف سياسية فحسب، بل تكمن أولاً وأساساً في إعادة تأهيل فكرها وممارساتها لتتوافق مع القيم والمبادئ الديمقراطية، وثانياً القيام بدورها في تعميم الثقافة الديمقراطية في المجتمع، لأن الديمقراطية في الأساس ظاهرة مجتمعية، فهي نظام للمجتمع إلى جانب كونها نظاماً للدولة.
من الصعب، كما هو موجود لدى قطاع من النخبة، القبول بالآليات الديمقراطية في المستوى السياسي، والتخلي عنها في الثقافة والعلاقات المجتمعية، إلا إذا كنا مغرمين بهذه الحالة الفصامية السائدة في الفكر والسياسة. هذه الفصامية تزيد من ظلامية الصورة الواقعية، فالمعارضات السائدة لا تواجه السلطات الشمولية والمستبدة من مواقع ديمقراطية حقيقية، بل تقف على الأرضية ذاتها التي تعطي للسلطات مشروعية الحكم والاستمرار، هذا إذا لم ترتكز أجزاء منها أو تنطلق من منطلقات مذهبية وطائفية.
إذا كانت الرؤية الاختزالية خطيرة في الفكر والواقع، فإن الرؤية السحرية والخلاصية للديمقراطية أخطر، لأنها تتحول آنذاك إلى مجرد شعار أو إلى أيديولوجية بديلة للأيديولوجيات الأخرى، ويكفي أن نصدح بها حتى تحل جميع الإشكاليات والعقبات ونقيم الجنة على الأرض.

4- معنى الديمقراطية والنظام الديمقراطي
الديمقراطية نظام اجتماعي اقتصادي سياسي يقيمه لنفسه شعب من الأحرار أومن المواطنين الأحرار، وهذا النظام ليس غربياً خالصاً، كما تدعي المركزية الأوربية التي تتجاهل وحدة العالم، وكونية الروح الإنساني، كونية العقل، وتضفي على الحضارة والتمدن طابعاً غربياً صرفاً، كأن التاريخ قد بزغ هنالك للتو، وكأنه يمكن أن يكون هناك غرب بلا شرق أو شمال بلا جنوب. الديمقراطية إنجاز غربي، لكنها أيضاً محرز إنساني عام، وتنبع عموميته من كونية العقل ووحدة التاريخ العالمي وكلية الكائن الإنساني، ونرى أن تجارب الديموقراطية المحققة في التاريخ تنطوي كل منها على عنصر عام يمكن أن يتكرر في تجارب أخرى.
المعنى العميق للنظام الديمقراطي هو أن لا أحد في المجتمع يملك الحقيقة السياسية، أي ما يصلح وما لا يصلح لخير المجتمع وسعادته، فالحقيقة السياسية ينتجها الجميع، وهي بالأحرى حقيقة توفيقية يصطلح عليها مؤقتاً بانتظار نتائج التجربة وتغير الأوضاع.
النظام الديمقراطي شرط لازم لأنسنة الحياة الاجتماعية، لتحرير الإنسان من جميع أشكال الاستلاب. إذ لا ديمقراطية ممكنة إلا إذا كانت المساواة حاضرة بمعانيها القانونية والفلسفية والأخلاقية. لا يمكن أن تقوم ديمقراطية بلا مساواة سياسية، هي المقدمة اللازمة أو الضرورية للمساواة الاجتماعية. ولا قيمة للمساواة إلا بالتلازم مع الحرية، أي لا قيمة للمساواة في ظل الاستبداد الذي هو إعادة إنتاج للعبودية بشكل أو بآخر. في النظام الديمقراطي، المواطنون متساوون لأنهم كل شيء، أما في نظم الاستبداد فهم متساوون في كونهم لا شيء. الحرية في أحد معانيها، هي عدم الخضوع إلا لحكم القانون وحده، والديموقراطية، من هذه الزاوية، هي الخضوع للقانون مع المساواة.

5- الثقافة السائدة والثقافة الديمقراطية
يمكن القول بوجود وحدة عامة في الثقافة السياسية عند أغلب المعنيين بالفعل العام من مثقفين وسياسيين، على الرغم من الاختلافات الظاهرة في الأهداف والتوجهات السياسية. العناصر الاساسية في هذه الوحدة، أي العناصر المشتركة، هي التي تصوغ رؤى ووجدان الجميع، بما يجعل التباينات بين هذه المستويات محدودة أو قليلة الأهمية، أو شكلانية لا تطال الجوهر والأساس المحرك.
حصيلة ذلك هي وجود خط عام مشترك ناظم للرؤى والأفكار والارتكاسات في السلطات والمعارضات والمجتمعات والحيزات الثقافية، وللأسف فإن جميع عناصر هذا الخط الناظم لهذه المستويات لا تنسجم مع الثقافة الديمقراطية.
إشكالية ضعف الثقافة الديمقراطية في المجتمع العربي إذاً ليست إشكالية هذا التيار أو ذاك، أو إشكالية حزب سياسي بعينه، أو إشكالية أيديولوجية ما دون الأيديولوجيات الأخرى، أو إشكالية سلطات مستبدة فحسب، بل هي إشكالية عامة، أو داء عام يطال جميع التيارات والأيديولوجيات والأحزاب. إنها بالأحرى إشكالية مجتمع، وثقافة سائدة مضادة للقيم والمبادئ والآليات الديمقراطية.
يفتقر البنيان الأيديولوجي للتيارات والأحزاب كافة إلى القيم التي تتوافق مع الديمقراطية، ويسود بدلاً عنها قيم مضادة وطاردة للمبادئ والأسس الديمقراطية، لا سيما ما يبرز في الثقافة السائدة من قيم إنكار الفرد وعدم الاعتراف بالآخر، وشيوع العنف كناظم للعلاقات السياسية والاجتماعية على حد سواء. إن الضعف القاتل في ثقافتنا السائدة، من زاوية الديمقراطية، يكمن في تضافر وتكامل ثلاثة عناصر، نجدها في جوهر وأساس كل موقف أو سلوك أو رأي غير ديمقراطي.
العنصر الاول هو إنكار الفرد وضمور مفهوم الإنسان كقيمة عليا، لصالح نمو حالة “كتلية” أو “جماعية” أو “بطريركية”، وهذه تتوافق مع التكوينات العشائرية والقبلية السائدة، وتنمي حالة “جماهيرية” في السلوك السياسي، بارتكازات غرائزية وانفعالية وحادة إزاء الأحداث والظواهر والتغيرات. ولا يقتصر ذلك على الساحة المجتمعية، إنما ينسحب على المظاهر الحديثة من التجمعات، كالأحزاب السياسية والمنظمات المدنية، وغيرها، حتى إننا نكاد لا نفرق سلوك حزب سياسي ما، أو منظمة حقوق إنسان معينة، عن سلوك تلك التكوينات العشائرية والقبلية.
العنصر الثاني هو إنكار الآخر ورفضه، والرغبة في إنكار وجوده وإلغائه. الآخر على خطأ دائماً وأبداً. هذا العنصر يرتبط، على ما يبدو، بتاريخنا القديم حول “الملة الناجية”، ففريق واحد هو على الطريق القويم، أما بقية الفرقاء فهم في النار.
فالسلطات مثلاً تضع معارضيها في السجون، والأيديولوجيات جميعها، قومية وإسلامية وماركسية وليبرالية، لا يأتيها الباطل من أمامها أو خلفها، والحقيقة عند الجميع واحدة وثابتة، وهذا يفسر في كثير من الاحيان فشل أغلب التحالفات والتجمعات السياسية، فكل حزب يريد للتحالف أو الائتلاف أن يكون على صورته، وكل أيديولوجية تنزع نحو فرض رؤيتها في كل موقف وحركة.
العنصر الثالث هو شيوع العنف في الحياة الاجتماعية والسياسية على حد سواء، فالنزعة لإنكار الآخر والنزعة المضادة للتعددية في ثقافتنا، تجدان امتدادهما في النزعة إلى العنف والرغبة بتحطيم الآخر بأشكال ووسائل عديدة، سواء عبر زج المعارضين في السجون وممارسة الاقتلاع السياسي لأصحاب الرأي المختلف، أو عبر حجب المشروعية عن الآخر، أو بواسطة الاستئصال البدني.

هذه العناصر الثلاثة في الثقافة السائدة متداخلة ومترابطة، وتشكل وحدة ثقافية متماسكة، لكنها معيقة ومضادة بالتأكيد لنمو القيم والمبادئ الديمقراطية. بينما تنهض الثقافة الديمقراطية على عناصر ومستويات نقيضة لما هو موجود أو سائد في ثقافتنا. الثقافة الديمقراطية تعترف بكينونة الفرد وأولويته واستقلاليته، وجدارته بحقوق لصيقة به كإنسان، وتقر له بحقوق ووظائف وأدوار مكتسبة له كمواطن، لذلك تجعل من حماية حقوقه وضمان الوفاء بها إحدى أهم وظائف الدولة الديمقراطية. الديمقراطية هي ابنة الفلسفة الفردية، فعندما يغيب الفرد، ويضمر مفهوم الإنسان، نكون أقرب ما يكون إلى الحالة “القطيعية”. الدكتاتوريات والأصوليات والأيديولوجيات، جميعها تمحو الفروق بين الأفراد لصالح ما يسمى، مكراً أو جهلاً، “المساواة”، التي لا تعني في هذا المضمار إلا “التسطيح” و”التسوية”، أي إذابة الفروق وتجميع أو صهر الإرادات في سلوك جمعي قطيعي واحد: كتل بشرية هائمة تنحو في لحظة ما باتجاه واحد، تشجب، تندد، تبكي، تولول، تصرخ، جموع بشرية هائلة تشكل رصيداً وخزاناً دائماً لإنتاج الاستبداد والتطرف والعدمية والفوضى.
تقوم الثقافة الديمقراطية على مشروعية التنوع والاختلاف وعلى نسبية الحقيقة واحتمال خطأ الذات، فالسلوك المستند إلى هذه الثقافة يعبر عن نفسه في الاعتراف بالآخر واحترام حريته وحقوقه والقبول به كما هو، وكما يريد أن يكون. لذلك يحضر فيها بقوة مفهوم الشعب بوصفه شعب الاختلاف، لا الجمهور الواحد المنصهر والمندمج، وتقوم فيها الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية على فكرة الأحزاب المختلفة، المصالح المختلفة، الآراء والخيارات المختلفة، صراع المصالح والاحتمالات والأفكار في ظل سيادة قانون عام يشارك فيه الجميع بشكل أو بآخر. كما تنمي الثقافة الديمقراطية النزعة للتنظيم وبناء مؤسسات تتمتع بحركية داخلية وخارجية (نقابات، جمعيات،…)، مختلفة عن مؤسسات الثقافات غير الديمقراطية التي غالباً ما تنشأ على تقسيمات عمودية، وتكون ثابتة وجوهرية.
الثقافة الديمقراطية تفاوضية بطبيعتها، وثمة استقرار نسبي لمبدأ التسوية السلمية للمنازعات والصراعات، فهي تشجع من دون حدود التفاوض وإعادة التفاوض وصولاً إلى التوافق والحلول الوسط. النقيض لهذا المبدأ هو حضور العنف في السياسة والمجتمع، وحالة حرب الجميع ضد الجميع. فالمواقف السياسية المستندة إلى قاع ديمقراطي لا تتبع قانون “الكل أو لا شيء”، إما أن نكون مع هذا الطرف جملة أو تفصيلاً، وإما أن نكون مع ذاك الطرف في المطلق. المواقف الديمقراطية تفصيلية، وتنحو بعيداً عن الرؤى الكلانية والتصنيفية.
لذا يمكن القول أن السيرورة الديمقراطية تتوقف على جملة من العوامل، لعل من أهمها إعادة بناء مفاهيم الأمة والوطنية/القومية والدولة القومية على أسس جديدة مغايرة لمرتكزات الثقافة الاستبدادية. وهذا العامل الثقافي لا يقل أهمية عن العوامل المادية الأخرى الدافعة باتجاه الديمقراطية.

6- الديمقراطية والحداثة الليبرالية
الديمقراطية ليست هدفاً وطريقاً وأداة في العمل السياسي فحسب بل هي أيضاً موقف في نظرية المعرفة. لذا فإن الديموقراطية من دون الحداثة، قد تتحول إلى استبداد الأكثرية بالمعنى الإثني أو الطائفي .بمعنى آخر، الديمقراطية ليست مجرد شكل سياسي وعلاقة خارجية بين الحاكم و المحكوم، بل هي تتضمن الحداثة الليبرالية وتتخطاها معرفياً وتاريخياً.
فالديمقراطية، كما يقول إلياس مرقص، هي الليبرالية مضافاً إليها مفهوم الشعب، وهو غير النزعة الشعبوية، هو مفهوم سياسي بامتياز يشكل حداً على الحداثة الليبرالية، ويمنع تحولها إلى أوليغارشية نخبوية، كما أن الحداثة الليبرالية تشكل حداً على الديمقراطية، وتمنع تحولها إلى مسار لطغيان جماهيري. الديمقراطية هي موقف اعتراف بجماهير هي كتل كبيرة ومهمشة ويجب أن تتحول إلى ذات تاريخية وسياسية .
كما ينبغي عدم الانجرار وراء الليبرالية التي خفضت إلى حرية المشروع الاقتصادي وحرية السوق، والتي يجري تصديرها إلينا اليوم في صيغة ليبرالية اقتصادية جديدة قطعت كل علاقة كانت تربطها بجذورها النهضوية التنويرية الإنسانوية، وأصبحت غطاء للظلم ولعدم التكافؤ والهيمنة.

7- الديمقراطية والمجتمع المدني
الديمقراطية هي مضمون الدولة الوطنية الحديثة التي يشعر جميع مواطنيها بالانتماء إليها، ويحترمون قوانينها ويدافعون عنها، وإذا لم تفهم الديمقراطية على أنها المضمون السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي للوطنية، فإنها تتحول إلى مجرد آليات ديمقراطية شكلانية. إن بناء المجتمع المدني يمثل عملية تطور الديمقراطية ذاتها، والديمقراطية هي الفضاء الطبيعي الذي يتيح للمجتمع المدني أن يعيش وينمو ويتطور.
ثمة ترابط جدلي بين العمل من أجل التحول نحو مجتمع مدني وبين بناء الدولة الوطنية الحديثة/الدولة الديمقراطية، أي أن التحول نحو مجتمع مدني يمثل عملية تطور الديمقراطية ذاتها وعملية بناء الدولة السياسية (دولة الحق والقانون)، إذ لا وجود للمجتمع المدني خارج إطار هذه الدولة الديمقراطية، وبالمقابل يشكل المجتمع المدني البيئة المناسبة التي تنمو فيها الديمقراطية وتتطور مؤسساتها وآلياتها.

+سابعاً: ثقافة حقوق الإنسان

يمكن القول إن ثقافة حقوق الإنسان تعني مجموعة القيم والبنى الذهنية والسلوكية والتقاليد والأعراف وغيرها، التي تنسجم مع مبادئ حقوق الإنسان، وتتوافق مع القيم الديمقراطية واحترام التعددية والتنوع والاختلاف، مع ما يرتبط بها من وسائل التنشئة التي تنقل هذه الثقافة في البيت والمدرسة والجامعات وبيوت الدين والأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة وغيرها. بالتالي، فإن نشر ثقافة حقوق الإنسان هو مشروع عام وعريض لتمكين البشر بالمعارف الأساسية حول المواثيق الدولية وحقوقهم ودفعهم للعمل من أجلها، والمساهمة في خلق الوسائط والبيئات القادرة على حماية حقوق الإنسان والتقدم باتجاه الديمقراطية. إنها عملية متواصلة وشاملة تعم جميع صور الحياة، ويجب أن تنفذ إلى جميع أوجه الممارسات المهنية والاجتماعية والسياسية.
إن كل مبدأ أو فكرة قانونية أو أخلاقية تقطع رحلة طويلة في الزمان والمكان قبل أن تتبلور، إذ تخضع هذه المبادئ والأفكار إلى كل عمليات التفكيك وإعادة البناء والإضافة والأقلمة، حتى تصل لمرحلة تتبلور فيها، وقد تظهر خاصة بحضارة معينة دون غيرها، ويجري تعميمها في الوعي العالمي باسم هذه الحضارة، وبالضرورة هي الحضارة الأقوى أو المسيطرة عالمياً. فحقوق الإنسان لم تنبت فجأة في الغرب دون أن يكون لها جذور في الثقافات الأخرى. إن كل الثقافات، دون استثناء، قد شهدت حركة فكرية وأخلاقية، صراعية وتعاونية، خاصة وكونية، مغلقة ومفتوحة، طرحت في سياقها مبادئ وقيم وقواعد كثيرة تشكل جذوراً فكرية مهمة للمنظومة الراهنة لحقوق الإنسان.
هذا الرأي يختلف كثيراً عن الرأي الذي يحاول إعادة كل ما هو مجيد في الحضارة الإنسانية الحالية إلى أصول عربية وإسلامية. إنه يعني الإقرار بوجود تناسل وتلاقح بين الثقافات (كالكائنات الحية)، ويعني ضمناً أن الثقافة الإنسانية الحالية أساس لإعادة بناء الثقافات الخاصة. ومن هنا لا بد من الانتباه للتداعيات المنطقية والعملية لعدم الاعتراف بمبدأ عالمية أو كونية حقوق الإنسان، والقول بنسبيتها أو قابليتها للتفكيك والتجزئة، بما ينتهي إلى الأخذ ببعض هذه الحقوق، وإنكار وحجب بعضها الآخر.
إن القول بنسبية حقوق الإنسان معناه أنه لا توجد قيمة أو مبدأ عام ينطبق على عموم البشر. مثلاً: عندما يعترف بلد أو ثقافة ما بحرية التعبير، ويقوم بلد آخر بقمع حرية التعبير على أساس أن ما يصلح في البلد الأول قد لا يصلح للبلد الثاني (بناء على نسبية هذه الحقوق)، نصل إلى نتيجة منطقية مؤادها أن الحالتين متساويتان في المشروعية. هذا القول ينطوي على فوضى عقلية، قبل أن ينطوي على فوضى أخلاقية وعملية.
يخطئ جميع العاملين في مجال حقوق الإنسان عندما يفصلون حقوق الإنسان عن الفكر، فالخوف من الأيديولوجيا لا يبرر إلقاء الفكر في المزبلة، إذ سيكون لذلك ضريبة قاسية هي الوقوع في فخ تحويل حقوق الإنسان إلى مجرد شعار أو إلى مقولة سحرية دون أبعاد وأرضيات، لتتحول إلى أصولية من نوع جديد لا يدرك مؤيدوها منها إلا لفظها.
إن وراء العمل في جبهة حقوق الإنسان رؤية جديدة للكون والإنسان والمجتمع، رؤية لا يمكن استيعاب روح هذه الحقوق دون الاستناد إليها. يعني العمل في مجال حقوق الإنسان أولاً وقبل كل شيء المساهمة في عملية الاستيعاب التاريخي والنقدي لرؤية جديدة للإنسان والطبيعة والمجتمع والتاريخ، وهي الرؤية المحايثة لمواد وبنود مواثيق حقوق الإنسان. من هنا، فإن هناك ضرورة لربط العمل في ميدان حقوق الإنسان بالعمل الفكري الرامي إلى دعم المنظور الحداثي للإنسان والطبيعة والتاريخ، ومن دون هذا الربط والوعي بالتلازم الفعلي الحاصل بين المبادئ ذات الصبغة القانونية في مجال حقوق الإنسان ومرجعيتها النظرية الحداثية والتاريخية سنظل نمارس عمليات الخلط الفكري والتشوه المعرفي وتركيب المفارقات على صعيد الممارسة.
هذه المسألة واضحة وبديهية في أوروبا، بحكم المواكبة التي حصلت في التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر بين تبلور مواثيق حقوق الإنسان والفكر الفلسفي الحديث ومنظوره الجديد للإنسان والطبيعة والعقل والتاريخ. فهناك وحدة عميقة كامنة وراء جميع المواثيق الأوربية والأمريكية والعالمية. نشير مثلاً إلى مفاهيم الحرية، الإنسان، الفرد، العدل، القانون، المساواة، العقل، الدولة، تداول السلطة إرادة الشعب، مصدر السلطة، الضمان الاجتماعي، والتي لا يمكن قراءة بنود المواثيق دون الانتباه إلى طبيعتها وإلى علاقتها المركزية بالمشروع الليبرالي الحداثي في صيغه المتعددة.
أما عمليات التغيير التي تمت في المنطقة العربية خلال العقود الخمسة الماضية فقد تمت في مستويات قشرية وسطحية بمعزل عن التعرض لأنساق الثقافة القديمة، إذ تجاورت الأنساق القديمة مع الحديثة، وأدى هذا الوضع إلى تفريغ كل المفاهيم الحداثية (الإنسان، الفرد، الوطنية، الديمقراطية، الساحة العمومية، الشعب، القانون، العقل) من مضامينها الأصلية، إذ حضر الشكل وغاب الجوهر في خضم تلك العلاقة التجاورية الشاذة، فالشعب بقي هو القبيلة، والحزب السياسي قبيلة مصغرة، والفرد عبداً، والقانون شريعة السلطات أو رجال الدين… إلخ.
إن معركة تبيئة مبادئ وقيم حقوق الإنسان تحتاج فعلاً إلى معارك سياسية محددة في قضايا واقعية، لكنها تحتاج أيضاً وبالحدة والقوة ذاتها إلى معركة الدفاع عن الحداثة في فكرنا المعاصر، فالتقليد وحقوق الإنسان لا يجتمعان، سواء أكان التقليد قومياً أم ماركسياً أم إسلامياً. هذا يعني أن سؤال الحداثة سيظل مطروحاً على جدول أعمال المشتغلين بقضايا حقوق الإنسان، ويرتبط بهذا السؤال ضرورة القيام بجهود فكرية تنويرية تساهم في إعداد الأرضية الملائمة لانغراس أفضل لمبادئ حقوق الإنسان في فضائنا الفكري والسياسي. لا يمكن في الحقيقة أن تجتمع المناداة بحقوق الإنسان مع استمرار هيمنة تصورات تقليدية محددة عن الإنسان والعقل والمجتمع، واستمرار هيمنة الأفكار المرتبطة بالرعية والطاعة والامتثال والتقاليد ودونية المرأة واضطهاد الصغير والتعصب القومي والحقيقة الواحدة التي لا مراء فيها.

+ثامناً: الإثنيات والهوية الوطنية

1- الجماعات الإثنية
يعتبر مفهوم “الجماعات الإثنية” و”الإثنيات” أكثر اتساقاً مع واقع هذه الجماعات في سورية من مفهوم “الجماعات القومية” و”القوميات”، كونها عصبيات بالمعنى الخلدوني أو جماعات محكومة بالعلاقات الأولية، ما قبل المدنية وما قبل الوطنية.
“الأقلية” هي جماعة من مواطني الدولة تشكل أقلية عددية لا تحظى بصفة السيطرة أو الغلبة في الدولة، ويتميزون عن بقية أعضاء المجتمع عرقياً أو لغوياً، وهم يميلون إلى التضامن معاً، ويحرصون، وقد يكون هذا الحرص كامناً، على البقاء، ويهدفون إلى تحقيق المساواة مع الأغلبية واقعاً وقانوناً، والعنصر الحاسم في وجود الأقلية هو وعيها الذاتي باختلافها وتمايزها، وحرصها على البقاء والمحافظة على هويتها.
يبدو هذا التعريف أقرب التعريفات إلى منطق حقوق الإنسان الذي لا يتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية، سيادة الدولة الوطنية أو القومية. فهو يبرز حقيقة أن الأقلية جماعة من مواطني الدولة، ومن ثم فإن جميع الصفات الأخرى تقع في دائرة هذه الحقيقة الموضوعية. فحقوق الأقليات لا يجوز أن تتعارض مع سيادة الدولة، وهذه هي المسألة المركزية. إن قوام الوحدة الفعلية هو التعدد والتنوع والاختلاف والتعارض، وشتان بين معالجة مسألة الأقليات من منطلق الوحدة ومعالجتها من منطلق التجزئة والتذرير.
هناك رؤية وضعوية ستاتيكية معيقة للاندماج الوطني، تتعامل مع الأقليات، الإثنيات والطوائف، على أنها هويات ثابتة وماهيات وجواهر معرفة بذاتها، وتتعامل مع العلاقات الاجتماعية من ثم على أنها علاقات ذات اتجاه واحد، أي علاقات تخارج وتنابذ وتفاصل، مع أنه ليس في الواقع تخارج بلا تداخل ولا تنابذ بلا تجاذب ولا تفاصل بلا تواصل. وتتغذى هذه الرؤية من خلال اعتبار العرق أو الدين أو المذهب هوية ومرجعية، وافتراض النقاء والتجانس فيها. وهذا كله متصل بواقع الاختلاط والسديمية، وانتفاء الحدود، لا بين الأصل والهوية فقط، ولا بين الديني والسياسي فحسب، بل بين جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية المختلفة، وكذلك انتفاء الحدود بين الدولة والسلطة، وبين الدولة والمجتمع المدني.
تنظر هذه الرؤية الستاتيكية إلى المجتمع بدلالة أحد أجزائه أو بعض أجزائه بدل أن تنظر إلى هذا الجزء أو إلى هذه الأجزاء بدلالة المجتمع. الجزء في هذه الرؤية يحدِّد الكل، في حين إن الكل هو الذي يحدِّد جميع أجزائه. وما هو حاسم في هذه المسألة هو في الحقيقة هوية الدولة التي تحدد بصورة نهائية إمكانية الاندماج الوطني والاجتماعي أو عدم إمكانيته. فالدولة الدينية والدولة الاستبدادية، والدولة الأيديولوجية أو العقائدية على سبيل المثال، لا تتيح أي فرصة للاندماج، بخلاف الدولة الوطنية الحديثة.
إن سائر الجماعات الإثنية في سورية عابرة للحدود الوطنية، ما يطرح مسألة ازدواج الولاء، الذي يعبر عنه التعارض بين “القومية” والوطنية، ويتجلى ذلك بوضوح في أوقات الأزمات الاجتماعية والسياسية، في سورية وجوارها. وقد كان للأيديولوجة القومية العربية دور بارز في إنتاج هذا التعارض وتعميقه، ولا يقل عن ذلك أثر الأيديولوجية السياسية الإسلامية وشعار الدولة الإسلامية. هاتان الأدلوجتان السياسيتان تتسببان دوماً بتفجير الهوية الوطنية وتشظيها إلى هويات متجابهة بالقوة وبالفعل، وتنتجان، بفعل هذه المجابهة، أشكالاً من التعصب والتطرف والعنصرية، لذلك نرى في تسييس العروبة وتسييس الإسلام وجهين لعملية واحدة، على الرغم من التعارض الظاهر بين الإسلاميين والقوميين.

2- الاندماج الوطني في مواجهة شعار “حماية الأقليات”
يستخدم شعار حماية الأقليات من قبل أطراف متناقضة سياسياً وأيديولوجياً ونفعياً. إذ تستخدمه الدول بهدف جعل الباب مفتوحاً على الدوام للتدخل في شؤون الدول الأخرى عندما تقتضي مصالحها، لكن ليس غريباً أن يستخدم أيضاً من جانب “النخب” في منطقتنا، فيما يردِّده البسطاء من البشر من دون معرفة ولا دراية. لقد تجاهل الفكر القومي التقليدي مسألة الأقليات، وكان ولا يزال يلقي تبعة الاضطرابات والأزمات التي تولدها على الخارج فحسب، متجاهلاً حقيقة أن وجود الأقليات أقدم من الاستعمار والإمبريالية، وأن عوامل انفجارها الداخلية هي التي تستقدم التدخل الخارجي، وتمكنه من استثمارها. وما تجاهل الفكر القومي لهذه المسألة سوى مثال واحد على ازوراره عن الواقع، وعلى غلبة العنصر الأيديولوجي على العناصر الواقعية والعقلانية في بنيته.
لم يتعامل النظام الاستبدادي في أي لحظة مع السوريين بوصفهم شعباً، أي كمواطنين أحرار، بل كـ “شقف” أو “قطع” إثنية وطائفية ومذهبية، يجمع بينها بالقوة العسكرية والأمنية في وضعية هشة قابلة للانفكاك عندما تضعف قبضته أو تزول. لذا فإن الخطر الأكبر الذي يواجه السوريين اليوم هو مشكلة نقص الاندماج الوطني، بحكم أن الاستبداد لم يخلق هوية وطنية، بل إنه حطم جنين الدولة الوطنية التي تشكلت بعد الاستقلال. وتؤدي هذه الحالة إلى نمو شعور أقلوي لدى الأقليات، بخاصة في الأزمات، يدفعها إلى طلب الحماية من الخارج أو الاستبداد كونها ترى نفسها خارج دائرة المجتمع، وهذا يؤدي بالضرورة لتراكبها وتمفصلها مع الصراعات الإقليمية والدولية، بما يجعل هدف بناء هوية وطنية أمراً مستحيلاً، وتنتعش بدلاً عنها أيديولوجيات ما دون وطنية ترفع شعارات “العيش المشترك” و “التعايش” و”تحالف الأقليات”. ويعني ذلك عملياً في المآل نشوء حالة دائمة من التوتر والاحتقان بين المكونات الاجتماعية، تشكل أساساً موضوعياً لحالة احتراب ممكنة بينها، وانفتاح المجتمع بالتالي على آليات الصراع والاقتتال التي تؤدي إلى تمزيقه.
مفهوم الاندماج الوطني أو الاندماج القومي والاجتماعي يقوم في معارضة مفاهيم الصهر والتذويب والتمثل، فهو مؤسس على المبدأ العلماني الديمقراطي، مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون.
الاندماج الوطني أو القومي جملة متآخذة ومتكاملة من العمليات أو السيرورات التاريخية: الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية ترقى بالمجتمع من حالة التشظي والتناثر والانقسام والتحاجز إلى الوحدة، وحدة الاختلاف والتعدد والتعارض. الاندماج القومي هو ولادة أمة حديثة، لا على أساس عرقي أو ديني أو مذهبي، بل على أساس المواطنة والمساواة بين أفراد مختلفي المشارب والانتماءات والمنازع.

3- مفهوم الهوية الوطنية/القومية

أ- سؤال الهوية
يتجلى كل حديث حول الهوية في الغالب بسيطرة الماضي والتاريخ والذاكرة على حساب الحاضر والمستقبل. إذ ينظر للهوية على الدوام على أساس أنها تكونت وانتهت، وبالتالي ليس من دور للبشر الحاليين سوى النضال لتثبيت هذه الهويات كما هي أو كما وُرثت. هذه الآلية لا تنتج فهماً سوياً للهوية، وتؤدي في المستوى السياسي لنمو ذهنية “المحاصصة” المعيقة لبلورة ما هو عام وتوافقي ومشترك. من جانب ثانٍ، لقد نمت معظم الخيارات السياسية والأيديولوجية للقوى السياسية في سورية، بل ولجميع فئات الشعب السوري، في ظل بيئة استبدادية، ولم يتح لهذه الخيارات بعد التكون في بيئة صحية. وهنا من المهم أن يجري التعاطي مع سؤال الهوية في هذه اللحظة السياسية بشيء من المرونة، وأن تترك فرصة للمستقبل لإعادة تكونها في ظل شروط وبيئة ديمقراطية، فما يحتاجه السوريون جميعاً هو فسحة من الأمل والديمقراطية لإعادة تكوين قناعاتهم ورؤاهم، وإعادة النظر بهوياتهم الموروثة أو المشوهة، الأمر الذي يخفِّف من حدّة الدفاع عن الموروثات ويرفع من سوية الدفاع عن الخيارات الحرة.
لطالما اتخذت الهوية في الوعي السائد طابعاً وسواسياً تجاه الآخر، وشكل تعيينات قطعية، مغلقة وثابتة، وهذا الفهم السكوني، بشكل أو بآخر، يعيق استقبال العناصر الإيجابية في الثقافات الأخرى، بسبب سيطرة هواجس ووساوس الغزو الثقافي. الهوية، هوية أي فرد أو مجموعة بشرية، هي كائن متجدد على الدوام، وينبغي إعادة بنائها في كل لحظة من أفق المستقبل، وليس النظر إليها باعتبارها شيئاً تكون في الماضي وانتهى.

ب- الهوية والوطن والوطنية
الهوية هي وعي الذات الذي يحدِّد زاوية النظر إلى الكون والعالم وإلى الإنسان، ولها ثلاثة أبعاد: أولها علاقة الذات بذاتها، أي كيف تعرِّف جماعة ما نفسها؟ وكيف تعبِّر عن ذلك؟ وكيف تعي تاريخها؟ وكيف تنظر إلى تراثها؟ وكيف تحدِّد موقعها في العالم وفي تاريخه؟ والثاني هو علاقة الذات بالموضوع؛ أي علاقتها بواقعها وعالمها الذي يفترض أنه من إنتاجها، ودرجة الاستلاب الذي تعيشه، ونمط إنتاجها لحياتها في جميع المجالات. والثالث هو علاقتها بالآخر، وهذه العلاقة هي محصلة العلاقتين السابقتين وتتويجهما، وإذا أردنا أن نحكم على تقدم جماعة ما، أو تأخرها، فإنه يكفي أن ننظر في هذا البعد الثالث، فهو ينطوي بداهة على البعدين الآخرين.
الهوية الفعلية لأمة من الأمم أو لجماعة من الجماعات هي ما تنتجه هذه الأمة أو تلك الجماعة على الصعيدين المادي والروحي، وما تقيمه بنفسها ولنفسها من علاقات وتنظيمات اجتماعية وسياسية، أهمها الدولة؛ وفي ضوء هذا التحديد تغدو الهوية القومية أو الوطنية هوية حية وغنية وقابلة للنمو والتطور والبناء يومياً كونها عملية تاريخية، في مقابل الهويات الراكدة والخاوية والسكونية.
العمل والإنتاج الاجتماعي هو العامل الحاسم في وعي الذات، فهذا الوعي أهم نتاجات العمل والإنتاج الاجتماعي، وهذا هو المدخل العقلاني لتحديد الهوية القومية للأمة. فالفكر السياسي العربي لم ينتبه إلى الدلالة الأعمق لهذه المقولة، ذلك لأنه لم يهتم يوماً بقضية العمل والإنتاج الاجتماعي، إنتاج الثروة المادية والروحية بالتلازم الضروري، ومن هنا كانت الهوية القومية أو الوطنية عنده ليست سوى هوية مجردة صماء ثابتة ومتعالية على التاريخ وعلى سنن النمو والتطور، لا تمت بصلة إلى واقع المجتمعات الفعلي، بل تحيل على واقع آخر، أو على أصل ما يثوي بعيداً في أعماق التاريخ.
لا يميز الفكر السياسي العربي، القومي والإسلامي خاصة، الهوية من الأصل، بل هما عنده شيء واحد؛ وبالتالي تقترن الهوية بالأصل والأصالة والتأصيل والأصولية، فضلاً عن الخصوصية الفارغة أو العدمية، لذلك كانت الهوية مجرد أوهام ذاتية لم تفض إلى شيء سوى إلى إعادة إنتاج التأخر والاستبداد والتجزئة والتبعية، وإلى الهزائم المتتالية.
يعتقد كثيرون أن العرق هوية، والدين هوية، والمذهب هوية، والاتجاه الفكري هوية، والانتماء الحزبي هوية .. إلخ، وهذه جميعاً “هويات قاتلة”، بتعبير المبدع أمين معلوف، هذه هويات قاتلة بصفتها هويات، لا بصفتها محمولات وتحديدات ذاتية للأفراد والجماعات. الهوية عند الإسلاميين مثلاً، هي “الإسلام”، بحسب المتكلم سنياً كان أم شيعياً، وهي العروبة عند القوميين، وهي في الحالين هوية نابذة ونافية على مستوى المجتمع المكون من عدة أديان ومذاهب وإثنيات، مقابل الهوية السياسية أو الهوية الوطنية التي يستمدها الفرد من كونه مواطناً شريكاً في الوطن وعضواً في الدولة الوطنية، كالهوية الوطنية السورية التي لا تنفي إسلامية المسلم ومسيحية المسيحي وعروبة العربي وكوردية الكوردي.
تعريف الذات بدلالة الأصل، أو بدلالة وجود جوهري في تاريخ تصوري أو في عصر ذهبي، هو سمة وعي ماضوي، لا تاريخي، فضلاً عن طابعه الحصري والإقصائي والاستبدادي بالضرورة. الهوية غير الأصل، الأصل مفهوم استاتيكي، ثابت، والهوية مفهوم تاريخي، ناتج وصائر، وقابل للنمو والانبساط، في العالم وفي التاريخ. كذلك، ينبغي عدم التعويل على الأصول العرقية للجماعات القومية، ولا على ما يسمى الخصائص القومية الثابتة، لأنه ليس من أصول عرقية نقية، وليس من خصائص قومية ثابتة.
الدولة الوطنية الحديثة تمنح مواطنيها جنسيتها، والجنسية هنا أحد وجوه الهوية، وتمنحهم أكثر من ذلك شعوراً بالانتماء إلى مجال عام، إلى دولة هي أرض وشعب وسلطة عامة عليا وسيدة، بحسب تعريف الحقوقيين للدولة. الهوية الوطنية في اعتقادنا تعلو على الهوية الاجتماعية، الطبقية، والثقافية والإثنية والدينية والمذهبية .. وتطبعها بطابعها، ومن البديهي أنها لا تنفي لا الانتماءات والمواقع الطبقية ولا الاتجاهات الفكرية والثقافية ولا الانتماءات الإثنية والدينية والمذهبية للأفراد والجماعات، بل تنفي أن تنتج من هذه جميعاً نتائج سياسية تتعارض مع عمومية الدولة.
الوطن ليس مجرد رقعة جغرافية، أو بيئة طبيعية، أو حتى مجرد حدود سياسية معترف بها. الوطن هو علاقة إيجابية مثلثة الأطراف: علاقة بين الإنسان والطبيعة، وعلاقة بين الإنسان والإنسان الآخر، وبين الإنسان والمجتمع والدولة، وهي علاقة ذات محتوى اجتماعي اقتصادي وثقافي وسياسي وقانوني وأخلاقي، يمكن إجمالها بكلمة واحدة هي المواطنية؛ وتعني عضوية الفرد الفعلية في الدولة السياسية ومشاركته في الحياة العامة. ومن ثم فإن مفهوم الوطن لا يقوم من دون مفهوم المواطن، من دون مفهوم المواطنية والمواطنة، وهذه أيضاً لا تقوم من دون مفهوم الوطن.
الوطن هو ما يلبي حاجات الفرد الأساسية ويصون حقوقه المدنية وحرياته الأساسية وكرامته، ويحقق له المساواة مع الآخرين أمام القانون، ويحقق له الأمن والحماية والرفاهية؛ وإلا فإنه ينتكس إلى مجرد بيئة طبيعية ومكان إقامة.
والانتماء إلى الوطن، أي إلى الدولة السياسية، أي إلى المجتمع المدني، أي إلى الأمة، يتضمن جميع انتماءاتنا الأخرى ويعلو عليها، لا ذاتياً فحسب، بل موضوعياً أيضاً، لأنه انتماء إلى الكل، أو إلى الكلية العينية التي لا تكتمل فردية الفرد إلا بها. أما سائر الانتماءات والتحديدات الذاتية الأخرى، كالانتماء إلى الأسرة أو العائلة الممتدة أو إلى دين أو مذهب أو جماعة لغوية أو ثقافية أو إثنية، أو إلى طبقة اجتماعية أو حزب سياسي، فإنها تفصح عن طابعها الجزئي وتكتسي مضموناً جديداً تستمده من الانتماء إلى الكل.
السائد في أوساط عديدة هو التباس مفهوم الوطنية، حتى أصبح ما يحيط به من سوء الفهم والوهم والخلط مصدراً لكثير من الخلافات والشقاق، وأساساً للتصنيفات السهلة والساذجة.
لعل أول هذه الالتباسات يظهر في الخلط بين مفهوم الوطنية، المعادلة لعمومية الدولة، ومفهوم القطرية، المرادف للتجزئة والانعزال. ربما بسبب ذلك لم تولِ النخبة الدول القائمة أي اهتمام، ونظرت إليها على الدوام باعتبارها منتجات استعمارية كريهة، ولم تر فيها إلا حالات مؤقتة ستزول بالاستناد إلى أيديولوجية قومية بالذهاب نحو دولة الوحدة العربية، أو بالاستناد إلى أيديولوجية إسلامية والذهاب نحو دولة الخلافة الإسلامية، أو حتى دولاً مؤقتة على طريق بناء الأممية الاشتراكية بالاستناد إلى الأيديولوجية الاشتراكية.
بعض دعاة الفكر القومي يواجهون مفهوم الوطنية (المرذول في هذا السياق) بالقومية، فالوطنية مكروهة والقومية ممتدحة. بالنسبة لنا لا نجد أي فرق على المستوى الفكري بين الوطنية والقومية، فالدول الحديثة تتطابق فيها الصفتان.
الالتباس الثاني هو استخدام صفة الوطنية في الإشارة لأي فعل مناهض للخارج، لذلك تكون الصفة المضادة للوطنية هنا هي “اللاوطنية” أو “العمالة”، أي تستخدم الصفة الوطنية في هذا الإطار كمعيار أخلاقي وكحكم قيمة لتصنيف الآخرين بين وطنيين وعملاء.
الالتباس الثالث يبرز من خلال بناء الهوية الوطنية انطلاقاً من خطاب الخصوصية أو خطاب الهوية الأحادي، لتكون الوطنية في المحصلة معادلة للانغلاق على الذات والمحافظة على الموروث الثقافي ورفض الحداثة.
الالتباس الرابع هو في مفهوم الانتماء الوطني الذي ينحسر في الانتماء لقطعة أرض فحسب، بما يعني أن الوطن هو محض جغرافيا، وماهيته حُدِّدت مرة واحدة وإلى الأبد منذ أن تكونت جغرافيته وأدركنا حدوده.
الالتباس الخامس يتحدد بالانطلاق من الأيديولوجية في تحديد الصفة الوطنية، فلا أحد يتخيل الوطن والوطنية مفصولين عن الأيديولوجية، إذ إن كل أيديولوجية، قومية أو إسلامية أو ماركسية، ترسم صورة ما للوطن والوطنية، وتنظر بالتالي لمن لا يشتركون معها بأنهم ضد الوطن ولا يتوافرون على شيء من الوطنية، الأمر الذي يلغي نظرياً وعملياً المعنى العميق للوطنية، أي العمومية.
تضيف الحكومات والنظم السياسية إلى هذا الطين الفكري معاييرها الخاصة للوطنية التي تتناسب مع استمرارها ومصالحها، فتجعل منها، بشكل أو بآخر، معادلة للولاء لها، ولتصبح كل حركة معارضة لها خارج السرب الوطني.
هذه الالتباسات تعني في الحقيقة أن المشروع الوطني الديمقراطي غائب في ساحة الفكر. وبالضرورة تعني أنه لا توجد خطوات جادة نحوه في الواقع، على الرغم من كونه في قائمة برامج الأحزاب السياسية والنخب من جميع الأيديولوجيات والانتماءات.

4- الدولة الوطنية/القومية وحقوق الجماعات الإثنية
المشكلة الكوردية أو القضية الكوردية في سورية جزء من المسألة الوطنية الديمقراطية، وقضية أساسية من قضايا الدولة الوطنية الحديثة، فهي قضية وطنية عامة لا تخص المواطنين الكورد وحدهم، بل تخص جميع المواطنين السوريين كغيرها من القضايا الوطنية.
هذه المشكلة ذات بعد إقليمي يتعلق بالجغرافية السياسية لعدة دول “ذات سيادة”، لذا نرى أن التحولات الديمقراطية في هذه الدول لا بد أن تحمل حلولاً مناسبة لهذه المشكلة تقررها شعوب هذه البلدان، التي ترجع معظم مشكلاتها الداخلية إلى نقص اندماجها الوطني من خلال بناء الدولة الوطنية الديمقراطية. لذا نرى أنه ليس من حل ناجع لمسألة الأقليات القومية سوى الحل الوطني الديمقراطي الذي يعيد إنتاج هوية وطنية قوامها التعدد والاختلاف اللذان يثريان الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية.
وفي سياق هذا الحل هناك جملة من المعيقات، لعل أهمها أن العرب والكورد يفتقرون على السواء إلى وعي تاريخي، وإن فكرة الماضي تتطابق لديهم مع فكرة التاريخ، فهم ينطلقون في تحديد ذواتهم من مقولة الأصل لا من مقولة الهوية، وشتان ما بين الأصل/العرق والهوية/التاريخ، ويتغنون بالأصالة ويرفعونها إلى مصاف المقدس، فتغيب عن وعيهم الأصالوي فكرة الإنسان وفكرة الحرية، وتغيب معها فكرة الوطن/الدولة وفكرة المواطنة.
كما لا بدّ من الإقرار أنه لا يمكن إقامة دولة نقية عرقياً ودينياً ومذهبياً ولغوياً وثقافياً، دون ممارسة أشكال مختلفة من التمييز والاضطهاد، وحتى ممارسة التطهير العرقي والديني واللغوي والثقافي، وقد جربت ذلك جميع الأمم بدرجات متفاوتة وأساليب مختلفة، ولم تنجح. إن محاولات إلغاء الاختلاف أو السيطرة عليه هي من أكثر المحاولات عبثية ولا عقلانية ولا أخلاقية بالتساوي.
إن حقوق الإنسان التي نص عليها الإعلان العالمي حدٌ يحدُّ حقوق الإثنيات، وإن وحدة المجتمع والدولة القائمة على مبدأ حرية الفرد وحقوق الإنسان حدٌ يحدُّ حقوق الإثنيات، ومن ثم، فإن حقوق الإثنيات حدٌ يحدُّ حقوق الأكثرية أو الأغلبية.

+تاسعاً: حرية المرأة

إن حرية المرأة مفهوم يختلف تماماً عن موضوع حقوق المرأة. فإذا كان الثاني مطلب حركات نسائية معنية بحقوق النساء، فإن الأول مطلب عام للنوع الإنساني، رجالاً ونساء، ويعود بالخير على المجتمع بكليته، ليس من زاوية الحقوق المشروعة فحسب بل من زاوية الحرية الإنسانية وتوسّع آفاقها.
إن تحقق حرية المرأة يعني إنهاء الهيمنة الذكورية التي هي فخّ ينتقص من فهم الرجولة، تماماً كما ينتقص من فهم الأنوثة، ويشوّه البعد الإنساني لكليهما عندما يضعهما في علاقة صراعية تناحرية بدلاً من العلاقة التكاملية التي تعبر عن جوهر المجتمع الإنساني.
وانهيار الهيمنة الذكورية لا يعني أن يعطي الرجل للمرأة حقوقها، وهي مقدمة ضرورية للتحرر, بل يعني أن كليهما انتزعا حقوقهما الإنسانية كأفراد تحرروا من استبداد المجتمع والتاريخ.
إن القوة الخاصة لتبرير النظام الذكوري إنما تأتيه من أنه يراكم ويكثف بلا انقطاع عمليتين متكاملتين: فهو يشرعن علاقات هيمنة غير عقلانية أصلاً من خلال تأصيلها في طبيعة بيولوجية يحاول إظهارها على أنها بداهة الطبيعة ومنطق الأشياء، في محاولة لإخفاء أصلها الاجتماعي، فتنشأ هنا ثقافة تقوم على “استبدان” العلاقة بين الجنسين، وترتكز على المفاضلة الجسدية بينهما، وهي ثقافة اجتماعية ترتكز في العمق على الكائن البيولوجي، أي قبل تحول هذا الكائن الطبيعي إلى إنسان اجتماعي عاقل. وأما العملية الأخرى, فهي تلك التي ترجع هذه الهيمنة إلى السماء عبر إضفاء القداسة عليها باعتبارها تجسيداً للإرادة الإلهية وحراستها تحت سلطة التحريم الديني. وتبدو هاتان العمليتان وجهين لعملة واحدة, عملية إخفاء الجوهر الاجتماعي للهيمنة الذكورية، فما هو في حقيقته سياسي وثقافي واجتماعي يصبح هنا “طبيعياً” و”مقدساً”.
بالتالي، فإن الهيمنة الذكورية هي سيرورة تاريخية يجري فيها إنتاج وإعادة إنتاج هاتين العمليتين بشكل مستمر, ما يؤدي إلى تأبيد الهيمنة الذكورية، بكل ما يترتب عليها من ثقافة ومقولات طبيعية ومقدسة وخالدة، ليس بإمكانها أن تصمد أمام محكمة العقل والقراءة التاريخانية لعلاقات الهيمنة ومراحل وآليات إنتاج الهيمنة الذكورية وأسبابها الحقيقية. هذا يعني أن التصدي لثقافة الهيمنة الذكورية ونزع الطابع الأبدي والمقدس بشأنها، والنظر إليها بوصفها من نتاج الفكر البشري والتنشئة الاجتماعية عبر التاريخ، من شأنه أن يفتح الطريق إلى مواجهتها في أنماط التفكير والمؤسسات، وفي الفكر والممارسة الاجتماعية والسياسية.