مفهوم رأس المال في استخداماته المتعددة

0

د. خضر زكريا

 

شكل مفهوم رأس المال لدى كارل ماركس المفهوم المركزي في نظريته الاقتصادية الاجتماعية الشهيرة بالماركسية. ورأس المال عنده يتكون عبر آليات طويلة معقدة, شرحها بالتفصيل في سفره المشهور بهذا الاسم بأربعة مجلدات. وبتبسيط شديد (ربما يكون مخلاً)، رأس المال هو النقود التي تستخدم لإنتاج مزيد من النقود. فبخلاف ما كان عليه الأمر قبل المرحلة الرأسمالية من تاريخ البشرية، لم تعد النقود تُكتنز وتخزن في الصناديق أو في المصاغات الذهبية، بل صارت توظف في عملية الإنتاج الصناعي والزراعي، ثم التجاري والمالي والسياحي … وغيرها، بحيث أن تراكم رأس المال، من خلال الإنتاج وإعادة الإنتاج، هو الذي يبني ويطور النظام الاجتماعي الرأسمالي، الذي يختلف اختلافاً جذرياً عن جميع الأنظمة التي سبقته.

وقد اتُهم ماركس، حتى وهو مازال على قيد الحياة، ولكن خاصة بعد وفاته، بأنه يعدّ العامل الاقتصادي (وبخاصة رأس المال في المرحلة الرأسمالية) العاملَ الحاسم في حركة التاريخ، حتى قال بعضهم إنه يعتبره العامل الوحيد، مما اضطر زميله إنجلز للرد على هذه الاتهامات بالقول إن ماركس لم يكن يعتبر العامل الاقتصادي العامل الوحيد المحرك للتاريخ، بل الخيط الأحمر في نسيج التاريخ المتعدد الخيوط، الذي يمكننا بمتابعة مساره تحديد مسار التاريخ. وأنه (العامل الاقتصادي) هو العامل المحدِّد لمسيرة التاريخ “في نهاية المطاف”. لكن عدداً من الأحزاب التي تبنت الماركسية (أو ادعت تبنيها) عززت، بأدبياتها وأنشطتها المختلفة، الانطباع القائل بأن الماركسية تركز حصراً على مفهوم رأس المال المادي (النقود والأرض والأبنية والمنشآت …) وتهمل العوامل الأخرى المؤثرة في مسيرة المجتمعات البشرية.

من هنا ظهرت مصطلحات مثل: رأس المال البشري، ورأس المال الرمزي، ورأس المال الثقافي، ورأس المال الاجتماعي … وغيرها، ليبين واضعو هذه المصطلحات ومستخدموها، دور العوامل غير المادية في مسيرة المجتمعات (والجماعات والأفراد أيضاً). ولعل أبرز من استخدم هذه المصطلحات بكثافة في بحوثه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، حيث يرى أن رأس المال البشري والثقافي والاجتماعي والرمزي … تسهم كلها في تكوين وزيادة رأس المال المادي.

رأس المال البشري Human capital هو مخزون المعرفة والعادات والسمات الاجتماعية والشخصية، بما في ذلك الإبداع، المتمثل في القدرة على أداء العمل لإنتاج قيمة اقتصادية. وهو يمثل كل المعرفة والمواهب والمهارات والقدرات والخبرات والتدريب والحكمة التي يمتلكها الأفراد أو الجماعات في مجتمع ما. هذه الموارد تلخص القدرة الكلية للشعب الذي يمثل شكلاً من أشكال الثروة التي يمكن توجيهها لتحقيق أهداف الأمة أو الدولة أو جزء من تلك الأهداف. وربما يكافئ مصطلح رأس المال البشري مصطلح الموارد البشرية المستخدم على نطاق واسع هذه الأيام، والذي يعبر عن مجمل طاقات الناس وقدراتهم وإمكاناتهم (المادية والمعنوية) في مجتمع من المجتمعات.

أما رأس المال الرمزي Symbolic capital فيقصد به يورديو تلك الموارد المتاحة للفرد نتيجة امتلاكه سمات محددة كالشرف والهيبة والسمعة الطيبة والسيرة الحسنة والتي يتم إدراكها وتقييمها من جانب أفراد المجتمع. ويتأسس رأس المال الرمزي على القبول أو الاعتراف أو الاعتقاد بقوة أو بسلطة من يملك مزايا أكثر، أو شكلاً من الاعتراف بالشرعية، أو قيمة تمنح المرء مكانة عالية في مجتمعه.  ويرى بورديو أن رأس المال الرمزي هو مثل أي ملكية أو أي نوع من رأس المال (طبيعي ، اقتصادي، ثقافي ، اجتماعي) يكون مدركاً من جانب فاعلين اجتماعيين تسمح لهم مقولات إدراكهم بمعرفتها والإقرار بها، ومنحها قيمة (مثال الشرف في المجتمعات العربية).

ويدخل رأس المال الرمزي مختلف الحقول والمجالات ومختلف أشكال السلطة والهيمنة وفي مختلف أشكال العلاقات الاجتماعية، فكل علاقة سلطة تتضمن _ بشكل ما _ رأس مال رمزياً. فخاصية الشرف مثلاً تحمل معاني أخلاقية محددة، ويكون الشخص الشريف موضع احترام وثقة وتقدير تبعاً لما يملكه من رأس مال رمزي، ومن ثم يرتبط رأس المال الرمزي بأهمية الموقع الذي يشغله الفرد في الفضاء الاجتماعي من جهة، وبالقيمة التي يضفيها الناس عليه من جهة أخرى.

ويعبر مفهوم رأس المال الثقافي Cultural capital عن مجموعة من الرموز والمهارات والقدرات الثقافية واللغوية والمعاني التي تمثل الثقافة السائدة. ويركز هذا المفهوم على أشكال المعرفة الثقافية والاستعدادات التي تعمل على إعداد الفرد للتفاعل بإيجابية مع مواقف التنافس وتفسير العلاقات والأحداث الثقافية. ويرى بورديو أن رأس المال الثقافي يتشكل من خلال الإلمام بالثقافة السائدة في المجتمع والاعتياد عليها، ويوجد رأس المال الثقافي في أشكال متنوعة، حيث يشمل الميول والنزعات الراسخة والعادات المكتسبة من عمليات التنشئة الاجتماعية، كما يتجلى في أشكال موضوعية مثل الكتب والأعمال الفنية والأدبية، والشهادات العلمية، وفي مجموعة من الممارسات الثقافية مثل زيارة المتاحف، وارتياد المسارح ، وحضور الندوات، وغير ذلك من ممارسات مختلفة في مجال الثقافة.

ويمكن تقسيم رأس المال الثقافي الى قسمين، الأول رأس المال الثقافي المكتسب على أساس المؤهل التعليمي، وعدد سنوات الدراسة، والثاني رأس المال المورث من وضع العائلة وعلاقاتها بالمجالات الثقافية المختلفة. وهذا يعني أن رأس المال الثقافي يعبر عن القدرات والمهارات العقلية والجسدية، وكل أشكال المعرفة والخبرات التي يتحصل عليها الفرد إما نتيجة انتسابه لعائلة أو جماعة معينة أو نتيجة لمؤهلاته الذاتية وتنميتها وتطويرها.

وتجدر الإشارة هنا، إلى ان امتلاك رأس المال الثقافي يختلف باختلاف الطبقات، فالأغنياء يتحكمون في محتوى التعليم، وأبناؤهم يتمكنون من دراسة التخصصات المهمة، بينما لا يتمكن الفقراء من تحصيل الكفاءات اللازمة للمشاركة في الحياة الاقتصادية والسياسية والعامة للمجتمع. وهكذا نرى أن النظام التعليمي الذي يبدو محايداً في الظاهر، يعمل في الواقع على إضفاء المشروعية على اللامساواة الاقتصادية – الاجتماعية.

ولعل مصطلح رأس المال الاجتماعي Social capital هو أكثر تلك المصطلحات تعقيداً وتداخلاً مع غيره من المصطلحات السابقة. وهو يشير، بوجه عام، إلى قيمة وفعالية العلاقات الاجتماعية ودور التعاون والثقة في تحقيق الأهداف الاقتصادية – الاجتماعية. وعلى الرغم من وجود تعريفات مختلفة للمصطلح، الا أنها جميعاً تدور حول فكرة أساسية وهي أن للرأسمال الاجتماعي قيمة تؤثر على إنتاجية الفرد أو المجموعة وبالتالي على العملية التنموية بمجملها.

رأى ماركس أن نمط التعاون الاجتماعي يعد بحد ذاته قوة منتجة، مشيراً بذلك إلى ما عبر عنه عدد من المفكرين وعلماء الاجتماع في النصف الثاني من القرن العشرين، من أمثال: بورديو، وكولمان، وبوتنام … وغيرهم بمصطلح رأس المال الاجتماعي.

يقول بورديو عن رأس المال الاجتماعي أنه “رصيد اجتماعي من العلاقات والرموز يتفاعل مع الرصيد الذي يملكه الفرد من رأس المال المادي، فهو رصيد قابل للتداول والتراكم والاستخدام، فالفرد عندما ينشئ شبكات اجتماعية أو ينضم إلى أحزاب سياسية أو يستخدم ما لديه من رموز المكانة في ممارسات اجتماعية، فإنما يكون لنفسه رصيداً اجتماعياً وثقافياً يزيد من مصالحه ومن رصيده من القوة والهيبة. ومن ثم تظهر الإمكانية في تحويل رأس المال الاجتماعي إلي رأس مال مادي مثلما يتحول رأس المال المادي إلي رأس مال اجتماعي”. فقدرة الفرد على الوصول إلى موارد رأس المال الاجتماعي تعتمد بشكل أساسي على الشبكات الاجتماعية للفرد، وارتباطه بالمؤسسات المختلفة.

وتربط بعض مقاربات رأس المال الاجتماعي هذا المفهوم بمفهوم الثقة. فقد ركز كولمان مثلاً في تعريفه لرأس المال الاجتماعي على الثقة بين الأفراد وبين الأفراد والمؤسسات، وربطه بالديمقراطية والتنمية الاجتماعية من خلال الثقة. كما تحدث عن أهمية البعد المؤسسي لهذا المفهوم وعن ارتباطه الوثيق بالتنمية الاقتصادية.

ويعدّ فرانسيس فوكوياما من أبرز من أولى الثقة أهمية كبرى في تكوين رأس المال الاجتماعي. ففي كتابه “الثقة: الفضائل الاجتماعية وخلق الرخاء” بحث فوكوياما في سبل النجاح والازدهار في عالم “ما بعد التاريخ” الذي تحدث عنه في كتابه الشهير “نهاية التاريخ والإنسان الأخير“، أشار إلى أن النظريات الاقتصادية “الكلاسيكية الجديدة” هي صحيحة ولكنها تتجاهل دور رأس المال الاجتماعي أي: “تبادل المنافع، الالتزامات الأخلاقية، الواجب تجاه الجماعة، والثقة” في تسهيل وتثبيت الاستقرار والرخاء في مجتمعات ما بعد التاريخ.

ويرى فوكوياما أن المجتمعات التي تتمتع بدرجة عالية من الثقة مثل اليابان وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية (رغم النزعة الفردية في هذه الأخيرة)، تطور نوعاً من المنظمات التي يتطلبها الاقتصاد العالمي بسهولة أكبر بكثير من تلك المجتمعات “العائلية” ذات المستوى الأدنى من الثقة مثل الصين وفرنسا وإيطاليا وكوريا الجنوبية (يهمل مجتمعات بلدان العالم الثالث ومنها مجتمعاتنا العربية العائلية بامتياز).

وهكذا يؤكد فوكوياما على “مستوى الثقة الموجودة في المجتمع” بوصفها المفتاح المحدِّد للثقافة الوطنية. ولهذه الثقة ثلاثة نماذج، يعتمد الأول على الأسرة، والثاني على المنظمات التطوعية خارج الأسرة، والثالث على الدولة. ولكل من هذه النماذج شكل التنظيم الاقتصادي المناسب له.

من الواضح أن فوكوياما، بخلاف بورديو مثلاً، لا يقدم حلاً للتناقض الكامن داخل الديمقراطية الليبرالية (المعجب بها كثيراً)، والذي يتلخص في أن الليبرالية تشجع الاختلاف والمنافسة (التي أدت فعلياً إلى الاحتكار)، بينما تهدف الديمقراطية إلى تحقيق المساواة والعدالة. وقد برهن تاريخ الليبرالية والليبرالية الجديدة أن هذا التناقض يؤدي في النهاية إلى تركز الغنى والهيمنة في طرف، والفقر والخضوع في طرف آخر.

ويلقي بوتنام مزيداً من الضوء على مفهوم رأس المال الاجتماعي، بوصفه فضيلة مدنية تتمثل بسلوك الأفراد، وتعتمد على المشاركة السياسية واحترام القانون والتعاون. ويركز على العلاقة بين الديمقراطية والمجتمع المدني، والحوكمة الجيدة، والتنمية المستدامة. وهو يعدّ رأس المال الاجتماعي بمثابة تفاعل بين الأفراد والشبكات الاجتماعية والمعاملة بالمثل ومستوى الثقة التي تؤسسها هذه الشبكات الاجتماعية. لذلك يعتبر بوتنام أن المشاركة السياسية والتعاون المتبادل من أهم مؤشرات رأس المال الاجتماعي لبلد ما، دون أن ينتبه إلى أن تراجع مثل هذه المؤشرات قد يكون ناجماً عن القمع والتفاوتات الطبقية، وليس عن عوامل ثقافية أو أخلاقية.

وعموماً، يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من رأس المال الاجتماعي: يستند الأول على العلاقات بين أعضاء الشبكة الاجتماعية المتشابهين بشكل ما مثل العائلة والاصدقاء، بينما يشير النوع الثاني الى العلاقات ضمن أفراد تجمعهم روابط مثل علاقات العمل والمعارف. أما النوع الثالث فهو ذلك الذي يمثل علاقات الأفراد مع المؤسسات ومستويات السلطة مثل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والأحزاب السياسية والشركات. ولعل قوة العلاقات ضمن هذا النوع الأخير هي التي تمنح المجتمع رأس مال اجتماعياً مؤثراً وفعالاً.

في الختام، يمكننا تبني تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لرأس المال الاجتماعي بوصفه “مجموعة الشبكات والمعايير والقيم والتفاهمات التي تسهل التعاون بين الجماعات المختلفة وضمنها“. أو التعريف الإجرائي الذي طرحه المركز السوري لبحوث السياسات: في دراسة بعنوان: “اختلال رأس المال الاجتماعي في سورية”  بأنهما تم تراكمه في مجتمع ما، أفراداً وجماعات ومؤسسات من قيم وروابط وشبكات اجتماعية مبنية على الثقة المتبادلة بين أفراده وجماعاته، وفيما بينهم، وبالمؤسسات الناظمة للحياة العامة التي تسهل التعاون والتضامن بين أفراد المجتمع، وترسخ أسس التماسك والاندماج الاجتماعي في هذا المجتمع، وتعمل بشكل واضح لخلق الإنسان الحر والواعي والمنتج والقادر على خدمة الصالح العام“.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.