عن التعفيش الأكبر المسكوت عنه

0

اعتاد السوريون، عند نقدهم ظاهرة المحسوبيات والواسطة والدعم المخابراتي لشخصٍ ما، أن يقولوا: “خيار وفقوس”، وهو المثل الشهير الدال على الحالة الطبقية، وعلى التفاوت الاجتماعي وأثره في المجتمع العربي الذي تُهيمن عليه نزعة التفضيل والتقديم والتأهيل، على اعتبارات ما قبل مدنية وحداثية، دولًا وشعوبًا؛ إذ تكون العائلة أهمّ من المعرفة، وأهم من الكفاءة والولاء، وتكون الرشوة بابَ الحصول على الحظوة، وتكون معرفة رجال السلطة أهمّ من معرفة آدم سميث وماركس وزيمل فيلسوف المال.

مع الثورة السورية، وما حملته معها من ظواهر سلبية وفوضى اجتماعية؛ انتشرت ظاهرة “التعفيش”، وهي ظاهرة ليست بعيدة من مصطلح النهب والسلب الذي وصف به ابن خلدون المجتمع العربي، عندما قال في مقدمته الشهيرة: “إنهم أمة وحشيّة، أهل نهب وعَبَث، إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، يهدمون الصروح والمباني، ليأخذوا حجارتها أثافيَّ للقدور”. (الأثافي ما يوضع تحت القدور وقت الطبخ).

ولئن بدت لنا قساوة التحليل والاستنتاج الخلدوني الشهير في مقدمته، فإنه يحمل دلالات موضوعية متجردة، قالها الرجل منذ خمسة قرون وأكثر، وإنّ الواقع العربي يميل إلى تأكيد الرؤية الخلدونية التي كان آخرها سرقة آثار الكنيس اليهودي في جوبر، عن طريق الميليشيات المسلحة، أو تدمير الآثار التدمرية العريقة على يد الدواعش.

والتعفيش، بوصفه ظاهرة مُعبّرة عن سرقة ممتلكات الغير بعد طرده من منزله، تعني -في ما تعنيه- ترك المنزل على العظم والهيكل، إن لم يكن مُهدّمًا جراء القصف، وسرقة كل ما تطاله اليد إن كان مُهدمًا، وهو ما جرى تداوله في أوساط النظام بـ (مخلفات الحرب)، وتعني تعفيش كل المعادن في الأحياء المهدمة والمهجر أهلها، كما في أحياء حمص والرقة وريف دمشق وبعض أحياء دير الزور وريف حماة وإدلب واللاذقية.

جرى تداول ظاهرة التعفيش، في أوساط مثقفي الثورة وكتّابها، كظاهرة تُلحق العار بجيش النظام السوري وميليشياته الطائفية، وهي حقًا كذلك، ولكن جرى السكوت عن التعفيش الأكبر كجريمة منظمة واكبت الثورة السورية.

إنّ سرقة الدجاج، وتعفيش البيوت المُهدّمة، ونهب البيوت وما فيها من أجهزة كهربائية وأثاث منزلي، هو عارٌ بلا شك، ولكنه لا يجب أن يُنسينا العار الأكبر والتعفيش الأكبر والأخطر؛ لكونه يُمثّل جريمة مُنظمة مرتبطة بمافيات كبيرة، من النظام وبعض ميليشيات المعارضة المسلحة، وسيبقى هذا التعفيش مَعلمًا من معالم فشل المجتمع السوري، وأقول المجتمع السوري ليشمل الوصف حواضن النظام والمعارضة معًا، ففي مناطق الثورة بداية من ريف اللاذقية إلى جسر الشغور إلى كل البلدات (المحررة)، سُرقت أسلاك الكهرباء المصنوعة من الألمنيوم، وأسلاك الهاتف المصنوعة من النحاس، فضلًا عن سرقة بعض آليات الشركات التابعة للنظام، وبيعها كملك للسارق المحسوب على الثورة، كما حدث في آليات سدّ برادون في ريف اللاذقية، وسرقة بيوت الغسانية في جسر الشغور ذات الغالبية المسيحية بعد هروب أهلها، وسرقة معظم محولات الطاقة الكهربائية (خزانات الكهرباء)، للحصول على معدنها المصنوع من النحاس.

إنّ شتمنا لهذا العسكري (المُعفِّش الصغير والحقير)، وسخريتنا منه وهو يحمل الثلاجة على ظهره والدجاجة بيده، وقد أفتى لنفسه أنها “غنائم الحرب وعنوان النصر”، وسكوتنا عن رجال الأعمال والشركات الكبرى التي تتعاون مع الفرقة الرابعة وشعبة المخابرات العسكرية المكلفة بقرار رئاسي بجمع ما جرت تسميته “مخلفات الحرب والإرهاب”، هو مفارقة في الحكم؛ فماذا يصنع العسكري أو المعفش بمئات بل بآلاف الأطنان من مواد الألمنيوم والنحاس والحديد، المعروفة علميًا بتقبلها لعملية التدوير من دون أن تخسر خصائصها الفيزيائية؟! ولذلك كانت هذه المواد الغالية الثمن، كمواد خام عالميًا، هاجسَ السلطة ومطمع رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة، فبدلًا من أن يشتري رجل الأعمال صاحب معمل الألمنيوم ثمن الكيلو غرام من المادة الخام بـ 700 ليرة سورية عام 2011، كان يشتريها من عصابات السكراب و”مخلفات الحرب” بـ 70 ليرة سورية فقط. وقس على ذلك معامل صهر الحديد وتهريب النحاس، لذلك وجب القول علينا:

إنّ نشرنا فضائح صغار الشبيحة وصغار التعفيش في سورية، وسكوتنا عن كبار رجال التشبيح وكبار التعفيش، يُدخلنا في المثل السوري: “خيار وفقوس”!

كذلك، لا يجب أن ننسى جرائم سرقة الميليشيات المحسوبة على الثورة لمعامل الريف الحلبي، ومحال الآثار والتحف في سوق المدينة في حلب القديمة وسرقة المخطوطات والمكاتب، بذريعة أنّ أصحابها موالون للنظام، وبيعها لعصابات مافيوية؛ ذلك أنّ هذه الجرائم أشد خطرًا وأكبر عارًا من سارقي التلفزيون والبراد، لكونها ظهرت في مجتمع حاول أن يُقدّم ما هو مختلف عمّا كان عليه المجتمع السوري، في حقبة الأسدين.

ظاهرة التعفيشَين الأصغر والأكبر، وانتشارها في مناطق النظام والمعارضة، تدفعنا إلى تصديق الرؤية الخلدونية، ليس بدافع الاستسلام لها وجلد الذات وسلخها أو التشفي والشماتة، مطلقًا، بل بدافع المراجعة النقدية والمعرفية للمنظومة الأخلاقية والقيمية لمجتمعاتنا، وصولًا إلى مجتمع أكثر رقيًا وتحضرًا ومدنية، متجاوزين حتى النصوص الشرعية التاريخية التي تُبيح مال الغير وملكه، في حالات الصراعات والحروب؛ فالمجتمع المثالي أو الذي يسعى نحو التشكل الوطني الصحيح، هو الذي تكون أخلاقه وقت الحرب أشد متانة وتماسكًا من وقت السلم.

من سخريات الحرب والفوضى السورية، أنّ المعفّش الذي يعيش في مناطق الثورة والمعارضة قد أخذ فتوى تبيح له قبيح ما صنع، وفي الوقت نفسه هناك شركة معادن احتجّ عمّالها وانتفضوا لرؤيتهم أنّهم يعملون بمعادن مسروقة من بيوت حمص والرقة، فإذا بمدير المعمل يأتي لهم بفتوى شرعية تجيز العمل بهذا المال المسروق! (جرت هذه الانتفاضة عام 2012، في معمل ألمنيوم سوري احتجاجًا على العمل بمواد مسروقة من البيوت السورية).

من المؤكد أنه جرى للأمم الثائرة والسائرة من قبلنا ما جرى للسوريين منذ سبع سنوات، ولكنّ في ثورتنا ما يجرح النفسَ الحديثُ عنه، فعلى ما يبدو عندما يحكمك نظام استثنائي ليس كمثله شيء؛ ستجد في المنتفضين عليه بله المناصرين له ما تراه استثنائيًا وقبيحًا، فنحن سوريون أولًا وأخيرًا، ويجب علينا أن نشق الطريق من جديد رغم آلامنا ونكساتنا.

المصدر : شبكة جيرون الاعلامية https://geroun.net/archives/119167

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.