(الدولة الإنسانية في مقابل الدولة الحيوانية ) المعاقون وذووا الإحتياجات الخاصة من لعنة الدولة الديكتاتورية إلى رحمة الدولة الحديثة

0

منصور حسنو

“أحياناً من كثرة الاهتمام بي، أخجل من حالي”، بهذه الكلمات عبّر محمد -البالغ من العمر 50 عاماً- عن شعوره، حين سألته: “كيف تجد العناية بك في ألمانيا بسبب وضعك الصحي وعجزك عن المشي؟”.

ليس محمد وحده من أخذته الدهشة هنا في ألمانيا ودول الاتحاد الأوربي عن الفارق الكبير في الاهتمام والعناية بذوي الحاجات الخاصة عمّا كان عليه الحال في سوريا :

فمن الكراسي المجهزة بتقنيات عالية إلى المصاعد والسلالم الخاصة إلى مراكز العناية بأطفال التوحد أو ذوي الإعاقات إلى المعاملة الخاصة عند ركوب الحافلات ووسائل النقل … وعشرات عشرات الميزات التي تعتبر سمة عامة في دول الحداثة وحقوق الإنسان.

عرَّفت منظمة الصحة العالمية الإعاقـة بأنهـا: “حالـة مـن القصـور أو الخلل فـي القدرات الجسدية أو الذهنية ترجع إلى عوامل وراثية أو بيئية او خَلقية تعيق الفرد عن تعلُّـم بعض الأنشطة التي يقوم بها الفرد السليم والتــي تعتبــر مــن الأنشطة الأساسيـة للحياة اليوميـة مــن قبيل العنايـة بالـذَّات أو ممارسـة العلاقات الاجتماعيـة أو النشاطات الاقتصادية، وذلـك ضـمن الحدود التي تعتبر طبيعية”.

وجاء أيضاً أنّها: “حالةٌ تَحُدُّ من مقدرة الفرد على القيام بوظيفة واحدةٍ أو أكثر مـن الوظــائف. وعرَّف بعضُـهم صـاحب الاحتياجـات الخاصـة بأنّـه: “الشـخص الـذي اسـتقر بـه عـائق أو أكثر يوهِن مِن قدرتِه ويجعلُهُ في أمَسّ الحاجة إلى عونٍ خارجي”، أو هو مَـن فقـد قدرتـه علـى مزاولـة عملـه، أو القيـام بعمـلٍ آخـر نتيجـةً لقصـورٍ بـدني أو جســمي أو عقلي، سواء كان هذا القصور بسبب إصابته في حادثٍ أو مرضٍ أو عجزٍ ولادي.

وتنص المادة الثالثة من الدستور الألماني على أنه “لا يجوز الانتقاص من حق أي شخص بسبب إعاقته” وتكفل الدولة الألمانية لذوي الإعاقات فرص الحصول على وظائف، ما يسمح لهم بالعمل في الدوائر الرسمية والمؤسسات الحكومية سواء كانت الإعاقة سمعية أو بصرية أو حركية.

يمكننا القول إنّ أعظم مؤشر أخلاقي على فلسفة الدولة هو نظرة الدولة وأفرادها إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، بل يمكننا الجزم إنّ ذروة حداثة الدولة اليوم هو بقدر ما تقدم من خدمات لذوي الاحتياجات الخاصة.

وهذه الرأسمالية الصناعية التي ينتقدها اليسار العالمي اليوم لم تصنع شيئاً إلا وتحسب حساب ذوي الاحتياجات الخاصة فيه: من أجهزة الهواتف الذكية إلى الحواسيب بمختلف أنواعها إلى البرامج الخدمية إلى الإشارات المرورية والطرقات ومواقف الحافلات التي تراعي ذوي الاحتياجات الخاصة!

ذوو الإعاقات في الثقافة الشرقية والإسلامية – نظرة تاريخية

لم يكن وضع المعاقين عند العرب جيداً فمن المؤكد أنّ المجتمع الذي يدفن الأنثى أو يخاف من العار أن يكون سعيد الحظ بوجود معاقين في أرضه ولا يستطيعون حمل السلاح وكان المجانيين يرمون بالحجارة حتى يخرجوا من المدينة ولا تزال بقية من هذه العادة الفظيعة في مجتمعاتنا على ندرتها وقباحتها حتى اليوم.

ولا شك أنّ الإسلام اهتم بالمعاقين وحثت النصوص الدينية والنبوية على المعاملة الحسنى بهم. فالخليفة عمر بن عبد العزيز قد حث علي إحصاء عدد المعاقين في الدولة الإسلامية ليخصص لهم رواتب من بيت المال. ووضع الإمام أبو حنيفة صاحب المذهب الحنفي تشريعا يقضي بأن بيت مال المسلمين مسؤول عن النفقة على ذوي الإعاقة.

أما الخليفة الوليد بن عبد الملك فقد بنى أول مستشفى للمجذومين. وحتى أنّ هناك نصاً دينياً يعاتب النبي عندما انصرف عن أحد ذوي الاحتياجات الخاصة واهتم بزعيم من زعماء قريش (عبس وتولى أن جاءه الأعمى)، وهو ما ترك أثراً في نفسية النبي محمد ليجعل أحد هؤلاء المعاقين بصرياً والياً على المدينة في يوماً ما.

ولكن المتأمل بموضوعية وإنصاف لحال الثقافة الشرقية مع ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة يدرك أنّ المحرك لهذه العلاقة -بين المجتمع والدولة من جهة وبين المعاقين من جهة ثانية- هو محرك الشفقة وأخلاق الرأفة وليس أخلاق الواجب بالمفهوم الحديث والفلسفي. ولا يزال المسلم يرى في ذوي الإعاقة فرصة لكسب الأجر والدعاء وطلب البركة.

خلاق الدولة في المشرق العربي أثرت في نظرة الناس والمجتمع إلى ذوي الإعاقات، فعلى سبيل المثال تنظر الدولة المشرقية إلى المعاقين بصرياً أو العميان على أنهم دراويش، وهو ما أدى لانصراف هذه الشريحة إلى المساجد وحلقات ذكر القرآن فقط.

وإذا ما نبغ أحد هؤلاء وانصرف للدراسات الأدبية والفلسفية فلا يمانع المجتمع عندها من توجيه النقد له ونعته بالعماء كشتيمة كما حدث مع عميد الأدب العربي (طه حسين) ومع شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء (المعري) عندما هجاه أحد المسلمين بقوله :

كلب عوى بمعرة النعمان … لمّا خلا عن ربقة الإيمان

أمعرة النعمان ما أنجبت إذ … أخرجت منك معرة العميان

ذووا الإعاقات في الثقافة الغربية والمسيحية الكنسية – نظرة تاريخية

لم يكن ذووا الاحتياجات الخاصة في التاريخ الأوروبي القديم على أحسن حال. فأثينا اعتبرت تزاوج المعاقين خطراً على الدولة ويجب دوما تحسين النسل بتجنب الزواج من ذوي الاحتياجات الخاصة. أما في العصور الوسطى فكانت هناك نظرة خوف من ذوي الإعاقات.

وذلك للاعتقاد بأن الآلهة أحلت اللعنة عليهم.

ولهذا كانت الكنيسة تصدر أحكاماً على المتخلفين عقلياً (لاتصالهم بالشيطان) بسجنهم وتكبيلهم وتعذيبهم بشتى ألوان العذاب، لعل الشيطان يهرب ويترك هذا الجسد المعذب، وبقيت النظرة الأوروبية تقريباً حتى قيام الثورة الفرنسية ومبدأ حقوق الإنسان.

ولكنّ الصدمة الأوروبية الكبيرة والنكسة الأخلاقية كانت مع صعود النازية وتبني فلسفة التفوق العرقي، ودفع ثمن هذه النازية الملايين من الشعب اليهودي ومئات الآلاف من الأطفال ذوي الإعاقات.

فقد تمّ تصنيفهم بأنهم خطرون على العرق والمجتمع والدولة وبأنهم لا فائدة من وجودهم، وابتُكر ما سمي القتل الرحيم لذوي الإعاقات في المشافي وغرف الغاز.

وذلك كونهم لا يستحقون الحياة وفق العقلية النازية. وهو مادفع أسقف مونستر العظيم (كليمنس أوغست غراف فون غالين) إلى إلقاء موعظة تدافع عن حق ذوي الاحتياجات الخاصة في الحياة وتؤلب الناس على موقف النازية من ذوي الإعاقات.

ذووا الاحتياجات الخاصة من السوريين في ألمانيا اليوم كنموذج للدولة الحديثة

كما ذكرت سابقاً ، تفاجأ السوريون عموماً من حسن المعاملة والاهتمام اللذين تمنحهما الدولة لذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة في ألمانيا، ولكن هذه المرة ليس بأخلاق الشفقة بل بأخلاق الدولة والواجب والقانون.

وهذا لا يعني استبعاد الجانب الرحيم والإنساني لدى القائمين على دور الرعاية والمهتمين بذوي الحاجات الخاصة ومن هم على تماس معهم من العاملين والعاملات.

ولكن المنهج الذي تتبناه الدولة الألمانية اليوم ليس فقط تكفيراً عن الحقبة النازية وتعلماً منها، بل أيضا يعتمد هذا المنهج على جعل هذه الفئة من المجتمع على نفس الدرجة التي يتمتع بها المواطنون الأسوياء وربما أكثر.

وحري بالشعب الألماني ومن في حكمه أن يدافع عن دولة -هذه قيمها- أمام ما يهدد هذه القيم من صعود النزعات الشعبوية الكارهة أو النزعات العنصرية المنغلقة.

سوريون من ذوي الاحتياجات الخاصة في ألمانيا

ونستعرض فيما يلي بعض الفئات من اللاجئين السوريين من ذوي الاحتياجات الخاصة لنترك لهم التعبير بما لا تحسنه كلماتنا:

آدم طفل صغير كان يعاني من مشاكل قلبية وتشوه منذ ولاته في الحوض والقدم والركبة وكان وضعه يتجه نحو الأسوأ في سوريا ومشافي لبنان حتى حصل والده على لجوء إنساني عبر الأمم المتحدة إلى ألمانيا، ليتم تشخيص حالته الطبية في ألمانيا.

وقد أجريت له ست عمليات جراحية قلبية وعظمية وهو في وضع يتجه نحو الأحسن كما يقول والده.

والده يقول: إنّ الرعاية والاهتمام التي يحظى بها (ابني) ما كانت لتحصل لو لم يكن موجود هنا، ويضيف إنّ المشرفين على آدم يسألون عن كل صغيرة وكبيرة في حياة آدم من الاستيقاظ إلى الحمام إلى الفطور والعشاء والنوم، في محاولة منهم للقيام بكل شيء يساعد آدم على تحسين حياته اليومية.

عبد الله طفل من حلب يعاني من مشاكل أيضاً في قدميه، تم إجراء أكثر من عمل جراحي له في سوريا وهو يقول باللهجة الحلبية تعبيراً عن سوء العمليات الجراحية (شركولي أجري)، يشرح لنا كيف تحسنت حالته في ألمانيا وكيف يشعر بثقته بنفسه واستعداده ليكون مستقبله أفضل.

حاولنا التواصل مع أسر الأطفال الذين يعانون من مشاكل دماغية وهم يكادون لا يتحركون ومنهم من لا يحرك سوى عينيه ولسانه، وقد وجدوا حرجاً في الاستعداد لسماع أحاديثهم أو رؤية أولادهم من ذوي الاحتياجات الخاصة مع اعترافهم بالعناية الألمانية الخاصة لهم وتأمين سيارات خاصة لنقلهم إلى مراكز التعليم والعناية ورعاية الأطفال.

المعاقون في دولة الأسد

هذا الواقع الجيد الذي يعيشه اللاجئون السوريون من ذوي الاحتياجات الخاصة يُحتّم علينا إجراء مقارنات سريعة لوضع أمثال هؤلاء في سوريا.

البداية من فرع المخابرات الجوية الذي قضى فيه كاتب هذه السطور سبعة أشهر في زنزانة منفردة، رأيت فيها الشاعر الفراتي يوسف عبيد وهو كفيف وقد زج به في الزنزانة، ولدى قيام المساعد الجلاد بمد يده لمساعدته في الذهاب نحو دورة المياه كان جوابه:

دعني وشأني إنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ، ويذهب إلى دورة المياه لوحده، كيف يمكن لأعمى أن يهدد كيان دولة بسبب رأي معارض أو اتجاه سياسي ما، بحيث يزج به في السجن بدل أن يحظى برعاية الدولة والمجتمع؟

عندما ذهبت إلى معتقل صيدنايا وجدت هناك من ذوي الاحتياجات الخاصة ما يجعلك تجزم بأنّنا محكومون بنظام ليس كمثله شيء في الإجرام، فهناك تجد حالات فظيعة يصعب فهم بقاء أصحابها في السجن، كشاب من حلب مختل عقلياً، أو المهندس المدني -الذي اعتقل كرهينة عن أخيه الطيار الذي هرب إلى إسرائيل- وقد فقد عقله في زنازين الأسد.

وفي صيدنايا كان أيضاً المعارض السوري نزار نيوف وهو أيضاً يعاني من عجز في القدمين وكانت تأتيه حالات هيسترية يشتم الأسد فيها:

وفي صيدنايا كان المعتقل خليل مشنتف وهو من أبناء حمص وهو مصاب بعجز كلي في الحوض والقدم ، ورغم وضعه المأساوي شارك في ثورة الحرية على كرسيه المتحرك ليقوم حاجز المخابرات برشه بأكثر من ثلاثين رصاصة بكل دم بارد!

ومئات الحالات عن استهداف الأمن والمخابرات السورية لذوي الاحتياجات الخاصة فعلى سبيل المثال في مدينة اللاذقية هناك امرأة مشهورة (هيام اللاذقية، يمكن التعرف عليها بكتابة اسمها على يوتيوب) فقدت عقلها وتصرخ في الشوارع وتشتم الحكومة وآل الأسد لتقوم أجهزة النظام بعد كل شتيمة بجرها وإهانتها وحلق شعرها عداك أنها أيضاً ظُلمت من المجتمع نفسه.

إنّ هذه المرأة التي رحلت عن شوارع اللاذقية سيسجل لها التاريخ أنّها بجنونها وحريتها المجنونة وقفت مع الثورة السورية وقد وقف العقلاء مع نظام الجريمة والإجرام.

والمتأمل في أحوال المصابين عقلياً أو المجانيين في سوريا سيصاب بالدهشة عندما يعلم أنّ منهم من تعرضوا لتجارب قاسية وماضية مع مخابرات النظام وسجونه، ولم يجرِ الحديث أو الكشف عن قصصهم من شدة الخوف من تبعات ذلك من قبل أجهزة الأمن:

فهناك عشراتُ عشراتِ الحالات التي أصيب أصحابها بعوز عقلي بعد قضاء سنوات في التحقيق أو سجون النظام الانفرادية أو سجن تدمر العسكري.

قد لا يعرف معنى الإنسان المقهور أو المهدور الذي تحدث عنه البروفسور مصطفى حجازي غير السوريين وحدهم ، فهم أبناء القهر والهدر والغدر!

لقد استطاع هذا النظام تشويه كل السوريين نفسياً بمعنى ما، ولم يسلم منه أحد ولذلك لا يوجد كلمة أعمق وأفضل من كلمة ترامب: إنّه نظام حيوان.

المصدر : https://ar.qantara.de/content/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.