ما المشكلة في أسلمة الثورة؟

0

طُرح مصطلح (أسلمة) في الفضاء الثقافي العربي، عن طريق المعهد العالمي للفكر الإسلامي وبعض الباحثين العاملين فيه، وكان يُقصد منه البحث عن نقاط التشابه، بين علوم الإسلام ومعارفه وبين العلوم الحديثة اليوم، فكان مصطلح أسلمة العلوم أو إسلامية المعرفة!

لاقى هذا المصطلح اعتراضات لاحقة، قلّصت نطاق استخداماته فيما بعد إلا لغرض التشويه والتخويف، كأن يُقال: أسلمة أوروبا، أسلمة الجامعات، أسلمة الفضائيات.

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، كانت ذريعة خروج الناس من المساجد، وجعل كلمة الحرية قرينة كلمة “الله أكبر” في هتافات التظاهرات، كافية لتثبيت حجج المعارضين لهذه الثورة، وخصوصًا من أبناء الأقليات السورية.

الدّين حاضر في الوجدان السنّي، وقدَر سنّة سورية أنّهم يُشكلون الأغلبية السكانية في سورية قبل 2011، أي ما يقارب نسبة 80 بالمئة من سكان سورية، وحضور الدين -بمعناه الوجداني- هنا يعني الشعور بالانتماء إلى هذا الدين، واستحضار كل المعاني منه عند الأزمات والملمات؛ فربّما تجد السنّي غير الملتزم بالصلاة يُبادر بالصلاة عند وفاة أبيه أو أمه، أو عند نزول مرض أو سفر أو حتى في تجارته وأعماله، هذا التدين البسيط سمة المؤمنين في سورية، فهل يُلام من يتأسلم؛ إذا خرج في تظاهرة يعرف أنّه ربّما يُقتل فيها من أجل كلمة الحرية؟

في الذاكرة العميقة لسنّة سورية شعورٌ أليمٌ بالإذلال من السلطة الأسدية، وعلى الرغم من تفاوت الأفهام في توصيف هذه السلطة، فإنّ من غير المُلام أن يرى هؤلاء الـ 80 بالمئة من شعب سورية أنهم محكومون طائفيًا من سلطة علوية.

لا يوجد إحصاء دقيق لنسب الوظائف والعاملين في حقل الدولة السورية، ولكن من المؤكد أنّ النتائج ستكون مخيفة حتمًا، لا نريد الاستشهاد بمؤسسة الجيش والأمن فقط، بل يكفي الدخول إلى أي مؤسسة تعليمية أو تجارية أو طبية أو صناعية في سورية؛ أكبر المؤسسات في اللاذقية -مثلًا- هي مؤسسة الإسكان العسكري، الإنشاءات العسكرية، التبغ (الريجي)، ومن يراقب هذه المؤسسات عن قرب، ويدخل في تفاصيلها؛ يتبادر إلى ذهنه أن نسبة 50 بالمئة من سنّة الساحل لا تقرأ ولا تكتب ولا تفهم، وغير جديرة بأن تشغل 50 بالمئة من نسبة الوظائف التي يشغل العلويون فيها ما نسبته نحو 90 بالمئة.

هذه مشاهد يمكن أن تعمّم على كل الجغرافيا السورية، من البحر إلى النهر، حتى على مدينة الطبقة وعمال سد الفرات والعاملين في مؤسسات الزراعة وحقول الرميلان في الجزيرة السورية، وصولًا إلى العاصمة دمشق.

يوم قامت الثورة في كل من درعا واللاذقية وجبلة وبانياس وحمص، لم يكن يخلو الضمير السني من هذا المعنى أبدًا: هناك غلط في هذا البلد ويجب أن يُصحح، ولم تكن الثورة في معانيها الجوهرية إلا لتحقيق العدالة السياسية والاقتصادية والنفسية معًا.

(لا إيران ولا حزب الله، بدنا دولة تخاف الله) هذا شعار الثوار الأوائل، في آذار/ مارس 2011، و”خوف الله” هنا بالمعنى الإسلامي هو نفسه المعنى الأوروبي تمامًا: دولة العدالة والقانون. والهوة السحيقة بين شعاراتنا وشعارات أوروبا وقيمها اليوم لم تكن إلا بسبب تسلط هذه الأنظمة البربرية على شعوب المنطقة، لأنّ معركتَي التنوير والتحرير متلازمتان حكمًا، وعندما تغيب الدولة بالمعنى الهيغلي عن المجتمع؛ سيبقى الدين حاضرًا كآخر فرصة لا تشعرنا بالخسران.

يقول ماركس: “إنّ الناس يصنعون تاريخهم بيدهم؛ إنهم لا يصنعونه على هواهم. إنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم، بل في ظروف يواجهون بها، وهي معطاة ومنقولة لهم مباشرة من الماضي. إن تقاليد جميع الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء. وعندما يبدو هؤلاء منشغلين فقط في تحويل أنفسهم والأشياء المحيطة بهم، في خلق شيء لم يكن له وجود من قبل، عند ذلك بالضبط، في فترات الأزمات الثورية كهذه على وجه التحديد؛ نراهم يلجؤون في وجل وسحر إلى استحضار أرواح الماضي لتخدم مقاصدهم، ويستعيرون منها الأسماء والشعارات القتالية والأزياء، لكي يُمثلوا مسرحية جديدة على مسرح التاريخ العالمي، في هذا الرداء التنكري الذي اكتسى بجلال القدم، وفي هذه اللغة المستعارة. هكذا ارتدى لوثر قناع الرسول بولس، واكتست ثورة 1789 – 1814 بثوب الجمهورية الرومانية تارة، وثوب الإمبراطورية الرومانية تارة أخرى، ولم تجد ثورة 1848 شيئًا أفضل من التقليد الساخر لعام 1789 حينًا وللتقاليد الثورية لسنوات 1793 إلى 1795 حينًا آخر. وعلى هذا النحو يعمد دائمًا المبتدئ الذي تعلّم لغة جديدة إلى ترجمة هذه اللغة بالفكر إلى لغته الأصلية، وهو يستعمل اللغة الجديدة”.

إذًا، ليست المشكلة في أسلمة الثورة بهذا المعنى، بأن يكون الإسلام طاقة للتظاهر، طاقة للصبر، طاقة للشجاعة في الاعتصام، روح تهب القوة والثبات أمام الرصاص. نكذب ونكذب ونكذب؛ إذا أنكرنا أنّ أغلب معتقلي الثورة ومئات الآلاف التي قُتلت تحت التعذيب كانت تحمل هذه الطاقة الإيمانية المسلّمة أمرها لرب السماء.

الأسدية القاتلة لا يمكن أن تواجَه من دون طاقات إيمانية، ولولا هذه الطاقات؛ لوقفت الثورة في أشهرها الأولى، إنّ الرد على من يرى أنّ الثورة فشلت عندما تأسلمت، يكون بالقول: لولا أنها تأسلمت لما استمرت. وافتراض أنّ السلمية كانت ستكون أفضل فإنّ ما يردّ هذا الافتراض، إصرار المجتمع الدولي على الخيار السياسي للأزمة السورية كخيار وحيد، من لحظات العنف الأولى ببنادق الكلاشينكوف إلى الصواريخ والبراميل ثم الكيمياويات، وهو الخيار الذي أوصل سورية إلى ما هي عليه الآن، منطق وجوب وبقاء سلمية الثورة السورية يساوي تمامًا منطق حتمية الخيار السياسي للأزمة السورية.

لقد كانت أسلمة الثورة في سبع سنوات، بهذا المعنى الإيجابي، كطاقة ثورية لمعركة الحرية والكرامة، هي الرد الطبيعي الهيجلي والماركسي معًا، لعلونة سورية خلال أربعين عامًا.

لقد حلل كارل سميث كيف أنّ التزييف والتضليل سمة العصر: نحن نعيش في خوف دائم من التضليل، ولهذا فنحن دائمًا يقظون ضد كل ألوان التنكر والانحراف والتصعيد والتزييف.

نعم، مصطلح أسلمة الثورة، مصطلح مزيف، قاد إليه التقليد وعدم الفهم والتمييز بين الإسلام كدين ومعنى وطاقة، وبين الإسلام كمرض أيديولوجي وعصابي، قاد الروح والطاقة التي نتحدث عنها لتبدو متوحشة وذات مشاريع جهنمية. هو شعور السنّة أن لا جدوى من ثورتهم، وأنّ العالم كله قد خذلهم وسلّم رقابهم وبيوتهم وأراضيهم لنظام استباح فيهم كلّ شيء. كل الثورات تحتاج إلى جيرسكوب يغذي حركتها، ولم تكن ترى في غير الإسلام جيروسكوبًا لتغذيتها، ومجتمع كمجتمعنا لم تترسخ فيه القيم الحديثة بالشكل الذي نرغب، إذا كان دعاة المساواة والعدالة الاجتماعية والاشتراكية وحقوق الإنسان من السوريين هم أول من خذل هذه الثورة، فهل يقدح بكفاح غيفارا وثقافته، إذا علمنا أنّ يده اليمنى في الكفاح الثوري كان رجلًا من أبناء الكنيسة اللاتينية، وقد تمّ تجاهله عن خبث في عالم اليسار.

إذًا، ليست المشكلة في أسلمة الثورة، بهذا المعنى الذي يتداوله مثقفو الثورة والذي شغل جلّ اهتمامات الاتجاهات العلمانية والنخبة المثقفة التي عجزت عن تفكيك بنية النظام الاستبدادية الاجتماعية الطائفية، وعجزت عن تفكيك بنية النظام السياسية كمعارضة سياسية، وإنما المشكلة في إسلامية الثورة، وإسلامية أهدافها وخارجية ارتباطاتها، وهذا أمر بعيد كل البعد عن قضية السوريين المركزية: تحررهم من هذا النظام، وبناء دولتهم على مرتكزات العدالة الاجتماعية والسياسية والنفسية.

ستبقى الأيديولوجيا الإسلامية تتغذى على بقاء الأنظمة الجهنمية البربرية في المنطقة، وهذا يتطلب منّا مهارة تفكيك الأولى سياسيًا، ومهارة تفكيك الثانية ثقافيًا ولزوميًا، وبين هذين التفككين، سيبقى الإسلام دينًا كغيره من الأديان، ستكون أول إشراقات شمس الحرية على الشرق خيرًا عليه، كونه سيحاول أن يتحدث ويتطور، بموجبات العصر وفلسفات الحاضر وتأملات المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.