محدِّدات أساسية في المشهد السياسي السوري الراهن، رؤية مشتركة لحزب الجمهورية (تحت التأسيس) واللقاء الوطني الديمقراطي.

0

 

نقدِّم في ما يأتي رؤية سريعة حول المشهد السياسي السوري، على الرغم من إدراكنا لضعفنا وضعف جميع القوى السياسية السورية وهامشيتها في الحوادث الراهنة، إلا أننا – مع ذلك – ندرك أهمية الرؤى في صناعة التوافقات والمسارات على المدى الزمني الطويل.
في ظل التطورات السياسية الراهنة، على الصعيدين الدولي والإقليمي، وقبيل المؤتمر المزمع عقده في الرياض (الرياض2)، وفي ضوء تجدّد السجال حول مستقبل سورية، وشكل الحكم، ومصير النظام ورأسه، وإعادة طرح مشاريع “وحدة المعارضة”، ومع استقالة عدد من أعضاء الهيئة العليا للمفاوضات، وتزايد الضغط الدولي باتجاه إنجاز تسوية غير عادلة ولا تتوافق مع طموحات الشعب السوري في بناء النظام الوطني الديمقراطي ودولة المواطنة؛ نقدِّم المحدِّدات الآتية:
1. إن أصل المسألة السورية وجوهرها، هو خروج السوريين مطالبين بالحرية والكرامة اللتين تتجسدان في بناء نظام وطني ديمقراطي، ومواجهة السلطة الحاكمة لهم بالعنف والقتل والاعتقال والتشريد. هذا الأصل يُفترض أن يكون المحدد الأساس وغاية جميع القوى السياسية الوطنية السورية.
2. استقرار سورية معناه اليوم وقف الحرب وإنهاء حكم السلطة الحاكمة، المسؤول الرئيس عن الكوارث التي ألمت بالسوريين خلال السنوات السبع الماضية، ويعني أيضًا تحقيق العدالة الانتقالية، ومحاكمة رموز السلطة الذين ارتكبوا جرائم عديدة ضد الإنسانية في سورية. على الرغم من سيطرة دول العالم والإقليم على المسألة السورية اليوم، وتحكّمها في التوازنات الداخلية ومسار الحوادث والمآلات؛ إلا أن هذا كله لا يعني أن السوريين قد أصبحوا من دون دور، أو أنهم لا يستطيعون تغيير نيات وخيارات الدول الكبرى والإقليمية إذا كانت لا تصب في خدمة مصلحتهم الوطنية؛ ففي المآل لا يوجد حل عادل وشامل ودائم من دون السوريين، لكن هذا يتطلب منهم، في المقابل، إعادة بناء وتنظيم قواهم السياسية والمدنية وانتهاج خطاب وممارسات وطنية تنتمي إلى العصر.
3. بالنسبة إلينا، نرى أن مصطلح “القوى الوطنية السورية” أساسي في النظر إلى الواقع السوري والتعامل معه، ومع ارتباطاته الإقليمية والدولية؛ ونعني به القوى السياسية التي تتحرك وفق بوصلة المصالح الوطنية بعيدًا من الحسابات الشخصية والفئوية والطائفية والإثنية، وبعيدًا من التزامات تتجاوز الساحة الوطنية السورية لأسباب أيديولوجية أو قومية أو دينية، ولا تدخل في مساومات إقليمية ودولية على مصلحة السوريين بوصفهم شعبًا واحد، ولا تسعى لتشكيل غطاء شرعي لأجندات الآخر ومصالحه، أيًا يكن هذا الآخر، وأيًا كانت نياته.
4. لقد أُتخمت الساحة السورية، خلال السنوات الماضية، بتشكيلات سياسية هشة وبمنصات سياسية مصنّعة بما يتوافق مع مصالح دول الإقليم والعالم؛ لذلك نرى أن هذه المنصات والتشكيلات، التي لا يتناغم خطابها وسلوكها السياسيين، وحيثيات تشكيلها، وتكوين مواقفها، مع مواصفات “القوة الوطنية السورية” آنفة الذكر؛ هي في تقديرنا، تشكيلات ومنصات مؤقتة وعابرة، ولا يمكن أن يبنى على وجودها ودورها أي حكم مستقبلي حقيقي، وفقًا لمنطق التاريخ وسنن بناء الدول والأوطان.
5. لن يُكتب النجاح لأي حلول أو تسويات، لا تضع مصلحة سورية الوطنية في صلب تكوينها وأهدافها، وفي المركز منها إنهاء حكم السلطة الحاكمة وبناء النظام الوطني الديمقراطي؛ وهي (أي الحلول والتسويات) – إن حدث وأُعلن عن نجاحها – ستكون، بالضرورة، حلولًا وتسويات هشة ومؤقتة، تحمل بذور انهيارها في داخلها، ويبدو أن التسويات المعروضة اليوم في مسارات “أستانا” و”سوتشي” تصب في هذا الاتجاه.
6. نرى أن مصطلح “توحيد المعارضة”، بالشكل الذي يجري الحديث عنه، خالٍ من أي مضمون سياسي عملي، ومن دون معنى وظيفي؛ فمصطلح “المعارضة” لا يوضع إلا في مواجهة نظام سياسي قائم، وهذا التوصيف لا ينطبق على “نظام الطغمة الحاكمة”، خصوصًا في ضوء استعانته بإيران والروس والميليشيات الأجنبية، ما جعل سورية بلدًا محتلًا بالمعنيين القانوني والواقعي، ويتطلب -بالضرورة- من الحركة الوطنية السورية، على الرغم من ضعفها وتشتتها وعجزها الراهن، أن تتحول إلى “حركة تحرير وطني”، هدفها نيل الاستقلال الوطني الثاني، وإنهاء الاحتلال الخارجي، وأداته الداخلية المتمثلة بسلطة الحكم، وبناء المشروع الوطني السوري. على أن هذه العملية لا تكون عبر الصهر القسري للتيارات السياسية المختلفة أساسًا على توصيف المشهد ومواقفه إزاءه، وإن كانت جميعها تسمي نفسها “معارضة”؛ فهذا الصهر القسري الذي تعمل عليه الدول الإقليمية والكبرى (مؤتمر الرياض2 مثالًا) يساهم في تمييع المشكلات الحقيقية، فضلًا عن أنه لا يمكن أن يحدث إلا من خلال ممارسة قدر كبير من “التلفيق”، والأهم أن مآلة سيكون التفسخ والانحلال، عاجلًا أم آجلًا.
7. إن استقرار الدول الإقليمية والدول الخليجية مرتبط بصورة وثيقة باستقرار سورية، ولعل أهم شروط تحقيق هذا الاستقرار هي رحيل سلطة الحكم، والإقرار بدعم القرار الوطني السوري المستقل، ومساندة السوريين في بناء النظام الوطني الديمقراطي ودولة المواطنة؛ فأي سياسات وممارسات إقليمية وخليجية لا تصب في طريق توفير هذه الشروط أو الإقرار بها ستنعكس على الجميع، وستؤدي إلى مزيد من التفسخ ونمو التطرف والطائفية والعنف في المنطقة.

وفي الختام؛ لا تكفي النيات الحسنة لتحقيق الغايات النبيلة، ما لم تقترن بعقل سياسي رزين، يستطيع أن يقارب المسائل المطروحة علينا من منظور متعدد الأبعاد، خصوصًا ما يتعلق بسياسات الدول الإقليمية والكبرى، ودعواتها المتكررة لمؤتمرات مصنّعة وفق مصالحها البحت أو رؤاها الضيقة، ما يثير البلبلة ويزيد الفوضى ويطيل معاناة السوريين، ولا يحل المشكلات الجوهرية الواضحة الخاصة بسورية.

عاشت سورية حرة أبية.
حزب الجمهورية (تحت التأسيس)
اللقاء الوطني الديمقراطي

21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.