حقائق لم تكفِ ست سنوات لإدراكها

0

الثورة تقولنا ولا نقولها وإن نسبت إلينا ولادتها، وإذا الثائر لم يصغِ لما تقوله ثورته، يكون قد انقلب على نصف الاحتمال الممكن في نجاح الثورة، ويكون قد وأد ما قد تخلَّق بعد مخاضٍ من أحشاء تظاهرة سلمية قمعها العسكر؛ ويكون قد ترك المعنى خديجًا، ومنعه من إكمال عِدّته من الوضوح. تقول الثورة السورية حقائق كثيرة، لم تجد إصغاءً يليق بأهميتها. تقول حقائق لم تكفِ ست سنوات لإدراكها. وفيما يلي نسرد بعضها كما يفهمها كاتب هذه الأسطر:

 

  • لا ثورة من دون سياسة:

الحرية ما نبذره في تربة الثورة لنجني منها، ولكن يجب أن نسقيها بماء السياسة، ونعرضها لأشعة شمس الفكر كي تنضج أكثر.

كثير من السوريين وضعوا “الثورة” في معارضة “السياسة”، ومالوا إلى الانفعال السريع غير المدروس على حساب العمل الهادئ المدروس، فكثر الدفق العاطفي في الخطاب والسلوك، وغاب التفكير العلمي، ربما بسبب الرغبة في اعتماد أقل الطرق حاجةً إلى التعب والجهد.

  • السياسة عاجزة من دون الفكر:

الثورة في الأساس هي قفزة في التفكير، تضع على عاتقها الارتقاء بالواقع إلى مستوى الفكرة، وإن تحييد الفكر يحمل بالضرورة خطر تضييع بوصلة الثورة وقلب اتجاهها، لتتحول الثورة من فاعل في المشهد إلى مفعول به، وبذلك تكون إخفاقاتها كبيرة وكثيرة، وإن نجحت يكون سبب نجاحها إخفاق الآخرين.

  • تحييد الشباب عن السياسة جريمة:

الشباب هم، بلا شك، من سيفرز “الجديد اللاحق” الذي يضع “الجديد السابق” في مكانه من التاريخ، بحسب تعبيرات محمد عابد الجابري. وإذا كان فعل التغيير قد بدأ؛ فإن الشباب هم أهم الفاعلين. والأهم أنهم الأكثر إبداعًا وتصالحًا مع آليات العمل الجديدة. إن مزيجًا من الخبرة، والاندفاع، والعمل الفكري، يعطي للحالة روحًا، ويجعل منها قابلة للحياة والاستمرار والإنتاج.

يمكن للمُطلع على أوساط الشباب السوري المعارض وأوساط المعارضة الهرمة، أن يجد فروقات واضحة في نمط التفكير؛ فتفكير الشباب، بشكل عام، أقرب إلى الموضوعية والعقلانية، مقارنة بالجيل الأكبر سنًا من المعارضين الذي يميل إلى التوصيف والشخصنة.

  • الانبهار بالذات والحدث:

لا يخفى على أحد أن بعض أصحاب “المناصب” و”المواقع” الرسمية في “المعارضة السورية” اليوم، قد وجدوا في الثورة السورية فرصة لإثبات الذات، فحملتهم الثورة على أكتافها لكنهم ما كانوا قادرين بسبب عيوب في الذات وطرائق التفكير والممارسة، ولعل الانبهار بالذات والحدث واحدٌ من تلك العيوب التي أدت إلى تكرار الأخطاء وإفشال كثير من التجارب السياسية.

  • الدوغما وإنتاج الفشل:

ليكون التغيير نحو الأفضل، يجب أن يصنع الثائر من نفسه إنسانًا: قد ثاب من اليقين إلى شكه، وتميز باستخدام عقله.

يتميز نمط التفكير الدوغمائي بالتقليل من قيمة الأسئلة العقلية والنشاط العقلي الاستنتاجي التحليلي، ولا يقيم الدوغمائيون وزنًا كبيرًا للمنطق، بسبب إيمانهم بحقيقة ثابتة ومكتملة وأبدية، على الرغم من أن الواقع يؤكد دائمًا الحاجة إلى تغيير منهج التفكير وتطوير الوعي، وإلى التغلب على ثقافة الكسل وشكلها التواكلي ((عجّل نصرك يا الله)).

ما أحوجنا إلى سياسة تنطلق من الإدراك الدقيق للواقع، وتتحلى بالقدرة على الفصل بين الرغبة والواقع، سياسة تتخلى عن طريقة ((الشلف التأويلي)) لمصلحة التدقيق العقلاني و((التقاط الطفّ))، أي معرفة التفاصيل، على حد تعبير ياسين الحافظ؛ ما يعني الانتقال من التقليد والببغائية إلى العقلانية ومراكمة المعرفة وبذل الجهد في التنقيب والتحليل انطلاقاً من عناصر الواقع وعلاقته الجدلية بالفكر.

  • الإعلام وترسيخ فوضى التفكير:

أخذ الإعلام في حالة الثورة السورية دورًا أكبر من دوره العادي والطبيعي، وفي أغلب الأحيان أدى تغلب الإعلام القائم على نقل الخبر والصورة إلى تسطيح الفكر وضياع المعرفة والتحليل، ما ساهم في تعزيز استمرار نمط التفكير الفوضوي الذي لا يستند إلى منهجية متماسكة.

  • الحدس الخلّاق:

في الحقيقة لا يبدو، في علم السياسة تحديدًا، أن الاكتشافات والقرارات والحقائق جميعها تأتي بشكلٍ عقلاني، بل إن بعض الحقائق والقرارات يمكن أن نتوصل إليها في “لحظة لا عقلانية”، تلك اللحظة بالذات هي ما يتدخل فيها “حدسٌ خلاق” من الضروري أن يكون السياسي قد طوّره، أساسه الذكاء ودقة الملاحظة الممتزجَين بالخبرة واتساع الأفق والمعرفة. من دون هذا الحدس يصبح السياسي أقل مناعة في مواجهة غزوات الوهم المتكررة والمستمرة. ويصبح من السهل عليه أن يجرب كثيرًا من دون التفكير في عواقب التجربة، بل الوقوع قبل كل تجربة في مطب التفكير الأول: “لعلها تصيب هذه المرة “.

 

بعد ست سنوات خلت، تتوق الثورة إلى هجر اللغو، كما يتوق المهجّرون إلى العودة. الثورة لا أحد إلّاك: إن أنت أدركت نفسك بنفسك، والثورة سواك: إن أنت أضعت ذاتك في ذاتك…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.