في الحاجة إلى قوى سياسية جديدة

0

قبل الثورة السورية، كانت هناك تنظيمات أقرب إلى أن تكون قبائل أيديولوجية منها إلى مؤسسات سياسية حديثة، لها زعماء عشائر ومريدون وأتباع وتقاليد موروثة في الاسترخاء وقلة الحيلة، تفتقد الحيوية السياسية والعلاقة مع الواقع، وهذا سببه بشكل أساسي نظام الاستبداد وقمعه، وجزئيًا يعود إلى نمط تفكير وأداء نخب هذه التنظيمات الغارقة في الشعارات والأيديولوجية. لقد غابت السياسة، بما هي فاعلية مجتمعية وانشغال في الواقع، ومن تغب لديه السياسة لا خير في شعاراته، إذ يكفي استذكار تلك الشعارات ومقارنتها بالسلوك الواقعي لتلك التنظيمات لاكتشاف أنها في المآل لم تكن صادقة أو مبدئية في أي منها.

 

عددٌ قليل ممن تقولبوا وعاشوا في الأيديولوجية وعوالمها ونقاشاتها، وأحيانًا “ثرثراتها”، يستطيعون الانتقال إلى السياسة وحيويتها؛ فمع انطلاق الاحتجاجات الشعبية أصبحت الحاجة إلى السياسة ضرورية، لكن تلك القبائل فشلت في تحقيق الانتقال: بعض القوى والتنظيمات المعارضة تشظت إلى أفراد هنا وهناك على وقع زلزال الثورة، وبعضها تحوّل إلى نويات عصابية ذات مضمون أيديولوجي أو طائفي، وبعضها اعتقد أن الثورة قامت من أجله شخصيًا أو من أجل تطبيق أيديولوجيته، وهذا نلحظه في بعض أفرادها الذين كانوا نائمين مدة ربع قرن، واستيقظوا على وقع الثورة ظنًا منهم أن هدفها إثبات صحة خياراتهم وأدائهم ودورهم السياسي، وبعضها استيقظت مظلوميته الدفينة التي حكمت أداءه وسلوكه طوال الفترة اللاحقة، إذ تحول بعض أفرادها إلى عصابيين يعانون مظلوميات أسوأ من مظلومية الإخوان المسلمين، وبعض نويات وشخصيات تلك التنظيمات اصطف في مرحلة باكرة إلى جانب “النظام السوري”، فيما بعضها الآخر تحول تدريجًا ليكون ملحقًا بالجماعات الإسلامية الأيديولوجية.

 

معظم قوى وتنظيمات المعارضة “القومية” و”اليسارية” كان يتحرك على الأرضية الثقافية والمفاهيمية نفسها التي يتبناها “النظام السوري”، على الأقل في مستوى الخطاب الإعلامي. وهذا التوافق لم يكن من حيث الكلمات فحسب بل أيضًا من حيث زاوية الرؤية وطرائق النظر وآلية التفكير: القومية العربية، الاشتراكية، القضية الفلسطينية، المقاومة وحزب الله، العداء للإمبريالية، الاعتداد بممانعة إيران وكوبا وكوريا الشمالية لأميركا، روسيا الصديقة… إلخ، وهي ذاتها الأرضية الفكرية والمفاهيمية لما كان يسمى “الجبهة الوطنية التقدمية” الملحقة بحزب البعث، إن لم نقل بالأجهزة الأمنية للنظام. وربما لو حللنا خطاب كثير من رموزها لوجدنا ضيقه بالنقد واضحًا، ولغة عدائية تجاه مخالفيهم تصل إلى توزيع اتهامات تشبه تلك التي يوزِّعها النظام على جميع معارضيه. ربما يصح القول هنا إن القوى السياسية كلها قوى بعثية، بما فيها القوى والتنظيمات الكردية المعارضة أو القريبة من النظام.

 

بعض أطراف هذه المعارضة أدمنت “المعارضة” كما أدمن “النظام السوري” الحكم، وظلت تستخدم صفة “المعارضة” في تعريف نفسها، وظلت تتصرف وتصدر خطابًا متوافقًا مع كونها معارضة لنظام الحكم القائم وكأنه سيستمر إلى الأبد، على الرغم من الزلزال الذي أصاب سورية، بدلًا من تقديم نفسها كقوى بديلة واثقة بنفسها، ما يشير إلى أنها مقتنعة بأن حياتها من حياة النظام القائم وموتها من موته.

 

الجماعات الأيديولوجية السائدة تمامًا كالجماعات الطائفية والمذهبية والعرقية، كلها مغلقة على نفسها، فكما كانت هناك حروب دينية، كانت هناك أيضًا حروب أيديولوجية، وإن كانت جميعها تغلِّف مصالح سياسية واقتصادية في وقتٍ ما. هذه الجماعات تنظر إلى نفسها خارج حقائق التاريخ والجغرافية، نظرة مركزية وذاتية تمنعها من معرفة حجمها ودورها وقدرتها على التأثير، نظرة مفعمة بالاعتداد والفخر والصوابية، والواقع لديها ليس له من دور إلا إثبات صحة منطلقاتها النظرية، والبشر ليست لهم وظيفة إلا أن يتحولوا إلى جنود يكرِّسون حياتهم لتطبيق تعاليم الأيديولوجية.

 

الكائنات الأيديولوجية لا تستطيع ولا تتقن الحوار، ولا يمكن معالجتها بالحوار وحده، على أهميته، فهي دائمة البحث عن حوادث في الواقع والتاريخ تؤكد صحة رؤيتها، ولا يشغلها إلا هذا الشاغل. تحتاج هذه الكائنات إلى صدمة في الواقع مماثلة للصدمة الكهربائية التي يستخدمها الأطباء في معالجة بعض الأمراض النفسية المستعصية، وهذه الصدمة المطلوبة هي حدوث تغير نوعي في الواقع.

 

في المنطقة العربية، حكمت الأيديولوجيات الثلاث الكبرى، الإسلامية واليسارية والقومية، تفكير النخب السياسية والثقافية، وأنتجت أنظمة حاكمة استبدادية، وتنظيمات سياسية عقائدية لا يأتيها الباطل، ولا تختلف في تفكيرها عن الأنظمة الحاكمة، بينما تجسّدت الليبرالية كأيديولوجية تبريرية في وجه الأيديولوجيات السابقة، وتُرجمت في المآل إلى سيطرة قوى نهّابة مرتبطة بقوى الهيمنة الاقتصادية العالمية، وأصبح السائد في ساحة السياسة والفكر موزعًا بين الشيخ الظلامي والمستبد (القومي واليساري) والليبرالي الاقتصادي، وكلهم يشكلون منظومة واحدة قوامها الاستبداد والإقصاء والإرهاب، وتقويض أسس الدولة الوطنية، ومعاداة الديمقراطية والتنوير وحقوق الإنسان.

 

ما عاد للأيديولوجيات الشمولية أي معنى في ظل التغير والنمو المتسارعين على المستويات كافة، فهذه الأيديولوجيات لا تستطيع ردم الهوة الهائلة التي تفصلها اليوم عن العلم واكتشافاته وتغيرات الواقع، بعد أن كانت فترة من الزمن، لدى أتباعها، صاحبة الأجوبة الكاملة والشافية في جميع مناحي الحياة والعلم والتاريخ، فضلًا عن أنها لم تكن أفضل حالًا من العقائد والأيديولوجيات الدينية من حيث تحويل أتباعها إلى كائنات أيديولوجية مغلقة ومتطرفة. يقينًا أن العقائد والأيديولوجيات والقوى لا تموت بالسكتة القلبية، بل يظل أتباعها يحاولون البحث عن دور؛ سيكونون موجودين في المرحلة المقبلة، بشكل مشابه نوعًا ما لوجود بعض القبائل الأفريقية في العصر الحديث، لكن من دون دور مؤثر في المسار الرئيسي لحركة الواقع.

 

على الرغم من ذلك، نقول لا أحد يستطيع أن يعيش بلا أيديولوجية في المآل، لكن المشكلة أساسًا هي في الوعي الأيديولوجي الذي يطرد الفكر والواقع معًا من دائرة اهتماماته وانشغالاته؛ في مقابل الوعي الأيديولوجي هناك الوعي المقارب للواقع والحاجة والهدف، الوعي الذي لا يحوِّل أفكاره إلى شعارات وأقانيم بحكم اشتغاله الدائم في أسئلة الواقع الذي يحتاج في كل لحظة إلى قراءة جديدة، الواقع الذي لا يستطيع أحد أن يقدِّم أجوبة نهائية عن أسئلته، ولا تستطيع أي أيديولوجية الإحاطة به أو القبض عليه بكليته.

 

عندما يبدأ السوريون بتنظيم أنفسهم، وبناء تنظيمات سياسية ومدنية، فإنهم حينئذٍ يبدؤون السير في طريق التحول إلى شعب؛ ومن دون ذلك سيبقون مجموعة من الإثنيات والمذاهب والطوائف والجماعات الأيديولوجية العصابية والهامشية، المربوطة عنوة بحكم دكتاتوري عسكري متخلف؛ فمفهوم الشعب لا يتأسس سياسيًا من دون المجتمع المدني: “المجتمع المدني” هو أساس ومضمون “مفهوم الشعب”، ما يعني أن “الشعب” يعيد إنتاج “المجتمع المدني” سياسيًا، أو هو الصيغة السياسية للمجتمع المدني.

 

كما لا يمكن، في ظل الصراع الدولي والإقليمي في سورية وعليها، أن تتحقق استقلالية القرار الوطني من دون تنظيم السوريين لأنفسهم في قوى جديدة بعد التشظي الذي أصاب دولتهم ومجتمعهم وتنظيماتهم الهشة، وهذه القوى الجديدة يجب أن تأخذ شرعيتها من مفهوم الدولة الوطنية الديمقراطية الجديدة المأمولة، لا من الأيديولوجية، ولا من الدين، ولا من العرق أو الإثنية.

 

ليس من السهل تأسيس قوى سياسية جديدة ومنظمات مجتمع مدني حقيقية في ظل الحرب التي يشنها “النظام السوري” ضد الشعب السوري، وهو ما لا يترك فرصة للسوريين لالتقاط أنفاسهم. كذلك، من الوهم الاعتقاد بأن القوى الجديدة ستكون خالية من الأمراض التي عانتها القوى السابقة، فعملية البناء صيرورة مفتوحة دائمًا على التجاوز والتغيير استنادًا إلى تجارب الماضي وضرورات الواقع. مع ذلك، ستبقى مهمة بناء قوى وتنظيمات جديدة على جدول أعمال السوريين إن أرادوا بناء دولتهم الوطنية، دولة الكل الاجتماعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.